الرئيسية / رحيق الأدب / مقاربة الصورة القصصية في أدب الأطفال عندالباحث المغربي محمدأنقار

مقاربة الصورة القصصية في أدب الأطفال عندالباحث المغربي محمدأنقار

عرف أدب الأطفال اهتماماً كبيراً من قبل الباحثين والدارسين في الوطن العربي، بالتأريخ، والتوثيق، والأرشفة، والتجنيس، والتصنيف، والتوصيف، والتحليل، والنقد. وقد تمثل هؤلاء الباحثون، في دراساتهم لأدب الأطفال، عدة مناهج ومقاربات نقدية، منها: المقاربة التاريخية، والمقاربة الببليوغرافية، والمقاربة التأثرية الانطباعية، والمقاربة السوسيولوجية، والمقاربة النفسية، والمقاربة البنيوية، والمقاربة البلاغية، والمقاربة السيميائية، وغيرها من المقاربات النقدية المعاصرة الأخرى.

لكن ما يهمنا، في هذا الحيز الطباعي الضيق، هو التركيز على الصورة البلاغية بنية، ودلالة، ووظيفة. ثم دراسة الصورة السردية الرحبة، أو الصورة البلاغية الموسعة، في مجال قلما اهتم به الباحثون والدارسون والنقاد العرب، وهذا المجال هو أدب الأطفال. ومن ثم، يعد الباحث محمد أنقار من أهم الدارسين الذين تناولوا الصورة القصصية في أدب الأطفال بالمغرب، بتحليل مختلف مكوناتها وسماتها النوعية والفنية والجمالية، في كتابه القيم (قصص الأطفال بالمغرب) الذي صدر، في طبعته الأولى، سنة 1998م، و فاز بجائزة الكتاب بالمغرب في السنة نفسها، في فرع الدراسات الأدبية والنقدية واللسانية.

 

المبحث الأول: الدراسات النقدية في أدب الأطفال:

ما زالت الدراسات في أدب الأطفال بالمغرب قليلة جدا تعد على الأصابع. أما في مجال الرواية الموجهة للطفل، فالدراسات النقدية والوصفية تكاد تكون شبه غائبة أو منعدمة نظرا لتداخل القصة الطفلية مع الرواية، وعجز الببليوغرافيات المنشورة إلى حد الآن عن الإحاطة بكل النصوص الروائية الطفلية الموجودة في الساحة الثقافية المغربية. ولكن هناك محاولات قيمة قام بها بعض الدارسين المغاربة في مجال نقد القصة الطفلية وأرشفتها والتأريخ لها كمحمد أنقار، وعبد الله المدغري العلوي، وعبد الهادي الزوهري، ولطيفة الهدارتي وجميل حمداوي..

 

بيد أن هذه الدراسات لم تنصب إلا على جنس القصة بالتحليل، والنقد، والأرشفة، والتأريخ. وبذلك، أهملت جنس الرواية الطفلية على سبيل التحديد. وبالتالي، لم تفصل أجناسيا ومنهجيا بين القصة والرواية. لذا، يلاحظ، بكل وضوح وجلاء، مدى الخلط الكبير في هذه الدراسات بين القصة والرواية الطفليتين.

بيد أننا نلفي، في مجال نقد السرديات، كتابا قيما ومتميزا في مجاله، يعد في رأيي من أجود الكتب الأكاديمية الجادة في قصص الأطفال بالمغرب بصفة خاصة، والعالم العربي بصفة عامة، ألا وهو كتاب أستاذنا محمد أنقار (قصص الأطفال بالمغرب الذي اعتمد فيه صاحبه على مناهج نقدية حديثة ومعاصرة، بالجمع بين الجانب التوثيقي والجانب التحليلي، في ضوء منهجية بنيوية سردية موضوعية صارمة ومتماسكة اتساقاً وانسجاماً، مع الانفتاح على المنهجين التاريخي والفني. دون أن ننسى كذلك كتاب عبد الهادي الزوهري (تحليل الخطاب في حكاية الأطفال)  الذي بدوره استعمل فيه تقنيات البنيوية السردية من أجل التحكم في بنيات الحكايات الطفلية المدروسة قصة وخطابا.

وهناك كتاب آخر في مجال شعر الطفل للأستاذ العربي بنجلون؛ هذا الباحث الذي أعطى الكثير لأدب الأطفال بالمغرب إبداعا، وتوثيقا، وتحليلا، وتنظيرا. ويمكن اعتباره، في رأينا، من الدارسين الرواد لأدب الطفل إلى جانب محمد أنقار بدون منازع. وهذا الكتاب المقصود بقولنا هو( شعر الأطفال (دراسات مشتركة) الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1988م.

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التوقف عند مقاربة الصورة في أدب الأطفال عند محمد أنقار بصفة خاصة. ويعد هذا الباحث أول من حضر رسالة جامعية بالمغرب حول أدب الطفل بعنوان (قصص الأطفال بالمغرب) سنة 1988م. في حين، يعتبر العربي بنجلون أول من وضع ببليوغرافيا أدب الطفل بالمغرب في كتابيه (أدبيات الطفل المغربي)(1991م)، و(كتاب الطفل بالمغرب)(2000م)

 

المبحث الثاني: تعريف قصة الأطفال وتجنيسها:

يثبت محمد أنقار، في بداية كتابه، صعوبة تعريف الطفل بشكل دقيق ومضبوط نظرا لتعدد التعاريف وتباينها واختلافها من باحث إلى آخر، ومن حقل معرفي إلى آخر. وبعد ذلك، فقد قدم الباحث نظرة مقتضبة إلى صيرورة النمو لدى الطفل معتمدا في ذلك على دراسات الباحثين النمائيين في مجال سيكولوجيا الطفل. ثم، انتقل الدارس إلى تحديد خصوصيات القصة وتعريفها وفق مكوناتها التجنيسية وسماتها الفنية والجمالية. وقد استعان الباحث بمجموعة من التعاريف في هذا المجال، ولاسيما تعريفي عمر الطالب وشكري عياد. بيد أن محمد أنقار قد استعرض مجموعة من المكونات التي تنبني عليها قصة الطفل، مثل: الحبكة القصصية، والمستويات السردية، والتوقيت، والإيقاع، والوصف، والحوار، والتشويق، والأسلوب، والزمان، والمكان، والشخصية، والحدث، والفكرة، والعقدة…

أما فيما يخص تجنيس قصة الطفل، فقد تحدث الباحث عن مجموعة من الأجناس والأنواع السردية، من بينها: القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والقصة، والرواية، والصورة القصصية، والمقالة القصصية، والحكاية القصصية، والحكاية العجيبة، والحكاية الشعبية، والحكاية الأسطورية، والخرافة، والنادرة، والنكتة، والأشرطة المصورة…

ويلخص محمد أنقار كل ما قاله في المقترح التالي: " إن قصة الطفل النثرية هي جنس أدبي نمطي يسرد أساسا للأطفال كي يقرأوه أو يقرأ لهم قصد التسلية والإمتاع، تراعي في تركيب عناصره وتحديد أجناسه وأنواعه الخصائص النوعية والذاتية لنموهم الجسمي والنفسي والعقلي والاجتماعي والخلقي واللغوي، ثم الخصائص الموضوعية الخارجية، وكذا المكونات العامة للجنس الأدبي وسمات النوع. وقد تشتمل قصة الطفل على مواقف تعليمية أو تهذيبية، أو تنجز في سبيل تحقيق غايات ومصالح قريبة.غير أن مثل هذه المواقف والغايات لاتدخل ضمن الاعتبار الحقيقي لهذا النمط التعبيري إلا إذا كانت نابعة من صميم البنية العامة للنصوص. ومادة هذه القصة قد تكون مبتكرة من شتى مظاهر الواقع والخيال، أو مستوحاة من أجناس أدبية أخرى، أو مقتبسة من التراث الشعبي الإنساني. وتتداخل في بناء هذه القصة شبكة معقدة من المكونات أبرزها – على سبيل التبسيط- الحبكة والزمان والمكان والشخصيات والأحداث والفكرة والعقدة وحلها، إلى جانب الحوار والوصف والتوقيت والتشويق وتباين الأساليب ومستويات السرد. وكل هذه المكونات لا توظف، بالضرورة، مجتمعة في نص قصصي واحد أو بدرجة واحدة من الأهمية، إذ إن طبيعة المرحلة الطفولية المعنية بالخطاب هي التي تجعل مكونا أو مكونات تهيمن على عملية الحكي.وأهم الأجناس القصصية المتداولة بين الأطفال هي القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والقصة، والصورة القصصية، والمقالة القصصية، إلى جانب الأجناس الحكائية: الحكاية الشعبية، والحكاية العجيبة، والحكاية الأسطورية، والخرافة، والنادرة، والنكتة، ثم الشريط المصور.

إن قصة الطفل قد تبدو، من خلال وجهة نظر عجلى، غير مختلفة في تركيبتها وأشكالها عن قصة الراشد.إلا أن المقاربة المتأنية لمستوياتها البنائية العامة، والمعرفة الدقيقة بخصائص الطفولة يجعلان منها إبداعا متميزا بأدبيته الخاصة."

وبعد أن حدد الباحث مفهوم القصة الطفلية، بشكل من الأشكال، بإيراد مختلف تعاريفها ومفاهيمها المجملة والدقيقة، وذكر أنواعها التجنيسية وفق المكونات والسمات النوعية والفنية والجمالية، انتقل الباحث توا إلى رصد تطورها تحقيبا وتأريخا وتوثيقا.

 

المبحث الثالث: تطور أدب الطفل بالمغرب:

ينطلق الباحث من فرضية أساسية تتمثل في أن أدب الأطفال أدب قديم قدم أدب الكبار إلا أنه لم يحظ بالتدوين أو الدراسة أو الاهتمام كما حظي به أدب الكبار. وينطبق هذا الحكم أيضا على قصص المصريين والإغريق والفرس والهند والعرب التي لم تخضع للتدوين والتسجيل والتوثيق والدراسة النقدية والتحليلية.

وبعد ذلك، قدم الباحث تصورا تاريخيا لتطور أدب الطفل في الثقافة الغربية، بالتوقف عند بعض التجارب المتميزة في هذا الشأن، كما في فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، والدانمرك، وروسيا، وإسبانيا. ثم، انتقل الباحث إلى ذكر بعض التجارب العربية، كما في مصر، والعراق، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، وتونس.

بيد أن الباحث قد أعطى أهمية كبرى لتطور قصص الأطفال بالمغرب بصفة خاصة. وفي هذا الشأن، يرى محمد أنقار أن صحافة الأطفال قد تبلورت سنة 1947م، عندما خصصت جريدة العلم صفحة للأطفال في 20 يوليو 1947م. وفي السنة نفسها، ظهرت مجلة (صوت الشباب المغربي)، ومجموعة قصصية لمحمد علي الرحماني. وفي هذا الصدد، يقول محمد أنقار:" الواقع أن اعتبار سنة 1947 فترة بداية لايعني أن ما قبلها لم يعرف قصصا وصحافة للأطفال، وإنما يعني أن الاهتمام الجدي بقصص الصغار في المغرب لم يبدأ بدرجة مكثفة وملحوظة إلا مع بداية ذلك التاريخ."

ومن هنا، فقد كانت القصة الطفلية المغربية تراعي ميول الطفل واتجاهاته الذهنية والعقلية والجسمية والوجدانية والانفعالية والحسية-الحركية. وكانت تعبر أيضا عن مختلف وضعياته النفسية والاجتماعية والفكرية والتربوية والأخلاقية. وفي الوقت نفسه، كانت تستجلي نضال الحركة الوطنية في صراعها ضد المستعمر الأجنبي من 1912 إلى 1956م.

وعليه، لم تظهر قصص الأطفال في المغرب، على حد قول أستاذنا محمد أنقار في كتابه الرائد (قصص الأطفال بالمغرب)، إلا في سنة1947م، بانطلاق صفحة الأطفال بجريدة العلم، وظهور جريدة (صوت الشباب المغربي) على يد السيد إبراهيم السايح الذي خصصها للأطفال. فضلا عن (مجلة الأنوار) التطوانية التي برزت في سنة 1948م، ومجلة (هنا كل شيء) التي كانت تصدر في الدار البيضاء سنة 1952م، وما كانت تنشره جريدة (منار المغرب) في سنتي1957و1959م، بعنوان (حكاية جدتي)، ومجلة ( أنيس الأطفال) الصادرة بطنجة سنة 1953م.

وظهرت في السبعينيات عدة منابر ثقافية تهتم بقصص الأطفال مثل: (السندباد الصغير)، و(مغامرات سندباد للتلميذ)، ومجلة (أزهار)، و(مجلة الإرشاد)، ومجلة ( العندليب) التي ظهرت في سنة 1975م عن جمعية التعاون المدرسي، ومجلة ( المغامر) التي صدرت بإشراف محمد أوبريم، و(مناهل الأطفال) التي كانت تسهر عليها الوزارة المكلفة بالشؤون الثقافية، إلى جانب (أزهار)، و(هدية الندى)، و(المغربي الصغير)، و(التلميذ)، و(براعم)، ومجلة (أنباء الطفولة) التي كانت ملحقا تابعا لجريدة الأنباء، ومجلة (مستعد) التي تكلفت بها الكشفية الحسنية، وجريدة(الرائدة) التي صدرت في سنة 2007م على يد أمال محمد مسوحلي.

ومن أهم الكتاب الذين كتبوا قصص الأطفال في المغرب محمد العمري، وعبد الرزاق الدواي، ومصطفى غزال، ومصطفى رسام، ومحمد شفيق، وعبد الكريم حليم، وعبد السلام ياسين، وعبد الحق الكتاني، وعبد الرحيم الكتاني، ومحمد الصباغ، ومحمد الهيتمي، ومحمد علي الرحماني، وأحمد عبد السلام البقالي، وعبد الفتاح الأزرق، ومحمد إبراهيم بوعلو، وعبد الرحمن السايح، ومبارك ربيع، وعلي العلوي، وأبو بكر المريني، وعبد العزيز المنصوري، وجلول دكداك، وعبد الملك لحلو، والعربي بن جلون، ومحمد سعيد سوسان، وأحمد بوزفور…

وقد اعتمد كتاب قصص الأطفال على النقل والترجمة والاقتباس والتجديد، وقد تأثروا في ذلك بالأدب السردي العربي القديم (كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة) من جهة، والقرآن الكريم من جهة أخرى. كما تأثروا بالآداب الأجنبية، والكتابات القصصية العربية المشرقية والمغاربية (تونس)، كما كان يكتبها كل من محمد سعيد العريان، ومحمد عطية الأبراشي، ومصطفى دردير، ومحمود أحمد شريت، وفاروق عابدين، ومحمد عبيد،ومحمد سيد أحمد، وكامل الكيلاني، وعثمان جلال، وزكريا تامر…

ويرى محمد أنقار، في كتابه (قصص الأطفال بالمغرب)، أن مجلة سندباد المصرية قد أثرت تأثيرا كبيرا في الأطفال والصغار والشباب والكبار على حد سواء. كما أثرت أيضا في كتاب أدب الطفل، ورؤساء المجلات والجرائد الموجهة لخدمة الطفل تسلية وتثقيفا وترفيها. وفي هذا، يقول الباحث: "كان ظهور مجلة" سندباد" المصرية في سنة 1952 وانتشار توزيعها في المغرب قد وجها مسيرة قصص الصغار نحو مسار جديد ترسخت فيه بوضوح كبير قيم النقل والتقليد. ولم يعد من الممكن إغفال الدور الذي لعبته تلك المجلة في بلورة مفهوم صحافة الأطفال بالمغرب وقصصهم بلورة متميزة تجاوزت نطاق الطفولة لتمس كل التركيبة الثقافية في البلاد قبيل الاستقلال وبعده. فمنذ صدور" سندباد" وقسم من الصحافة المغربية لا يكف عن تتبع أخبارها والاقتباس أو" السرقة" منها. والظاهر أن هذه المجلة بجمال رسومها الملونة وغير الملونة، وروعة إخراجها وكثرة قصصها وحكاياتها، وسحر شخصية سندباد ذاتها؛ استطاعت أن تستميل بقوة فئات من الأطفال المغاربة الذين يحسنون القراءة لما وجدوا فيها بديلا عن الفراغ الذي كاد أن يكون تاما في مجال الصحافة والقصص المكتوبة بالعربية."

وثمة صحف ومجلات مشرقية أخرى قد تركت تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في صحافتنا الطفلية المغربية، منذ ظهورها إلى يومنا هذا، كمجلة المدرسة، ومجلة الأولاد، ومجلة علي بابا، ومجلة سمير، ومجلة ميكي المعربة، ومجلة كروان، ومجلة صندوق الدنيا، ومجلة المسلم الصغير، ومجلة عرفان، ومجلة شهلول، ومجلة قوس قزح، ومجلة الشيماء، ومجلة مجلتي، ومجلة المزمار، ومجلة الصبيان، ومجلة الأمل، ومجلة اميقدش، ومجلة بشار، ومجلة مصطفى، ومجلة براعم الإيمان، ومجلة ماجد، ومجلة حسن، ومجلة الشبل، ومجلة حمد وسحر، ومجلة مشاعل، ومجلة سبايس تونSpace Toone، ومجلة افتح ياسمسم، ومجلة أسامة، ومجلة أروى، ومجلة أسامة، ومجلة باسم، ومجلة أحمد، ومجلة الفردوس أو مجلة الطفل المسلم، ومجلة العربي الصغير، ومجلة توت، ومجلة العربي العلمي…

ومن أهم قصص الأطفال بالمغرب (سلسلة سناء) لعبد الفتاح الأزرق، وسلسلة ( كان يا ما كان ) لمصطفى رسام، و(سلسلة القصص المدرسية) لعبد الحق الكتاني، و(سلسلة قصص الأطفال) لعبد السلام ياسين وعبد الكريم حليم ومحمد شفيق.

وبعد ذلك، تحدث محمد أنقار عن أنواع الخطاب في قصص الأطفال بالمغرب، فتوقف عند الخطابات التالية: خطاب القيمة (أو خطاب القيم)، وخطاب المغامرة، والخطاب الخارق، والخطاب التاريخي، والخطاب الشاعري.

 

المبحث الرابع: المقاربة النقدية:

تمثل محمد أنقار البنيوية السردية في مقاربة القصة الطفلية في كتابه (قصص الأطفال بالمغرب)، وقد حاول فيه دراسة القصة في ضوء أدبية النص حيث يقول:" يعالج هذا الكتاب أدبية القصة النثرية بوصفها جنسا من بين أجناس أدب الأطفال، ويستبعد القصص الشعرية المركبة من جنسين متباينين، وحكايات الأطفال الشعبية المتداولة بين الصغار عن طريق المشافهة، وكذلك القصص المدرسية المباشرة."

وقد كان محمد أنقار يخلط دراسته، في بعض الأحيان، بالجوانب التاريخية تارة، والجوانب الفنية تارة أخرى، بالتركيز على السمات ومكونات الصورة البلاغية، وتشغيل القيمة المهيمنة كما لدى رومان جاكبسون. ويعني هذا أنه كان يتوقف عند بعض آليات الصورة الموسعة، كما فصلها في أطروحته الجامعية المتعلقة بـ(صورة المغرب في الرواية الاستعمارية).

 

المبحث الخامس: ملامح الصورة السردية:

إذا كان محمد أنقار قد طبق البنيوية السردية في نقد قصص الأطفال في المغرب، فإنه قد توقف عند بعض الآليات التي تعتمد عليها الصورة السردية الموسعة، أو الصورة البلاغية الرحبة، كالإشارة إلى مفهومي المكونات والسمات بكثرة في أثناء الحديث عن المكونات التجنيسية لقصص الأطفال بالمغرب مقارنة بسماتها النوعية والنمطية. وفي هذا، يقول الباحث:" إن الحديث عن المميزات الجمالية لقصص الأطفال يعني البحث الإجرائي عن المكونات الأدبية لهذا النمط السردي. والبدء بالحبكة يعني الإمساك بطرف الخيط المتحكم في النسيج الكلي للقصة.

وفيما يخص السمات، يقول الباحث:" وإذا تجاوزنا الجنس الأدبي المركب المسمى بالشعر القصصي أو بالقصة الشعرية حيث يقوم البناء على وزن عروضي وعلى سمات فنية شعرية وقصصية متداخلة؛ وجدنا أسلوبا أدبيا آخر يقوم على تلك السمات المتداخلة نفسها، باستثناء الوزن العروضي؛ سماه بعض النقاد بالحكي الشاعري (Récit Poétique)، وهي صورة حكائية مكتوبة بالنثر، تستعير من القصيدة وسائل عملها وتأثيراتها، حيث إن تحليلها يجب أن يأخذ في الاعتبار جماليات الوصف السائدة في كل من الرواية والقصيدة في وقت واحد."

يلاحظ أن الباحث يوظف مجموعة من المفاهيم التي تنتمي إلى مشروع الصورة الروائية، أو مشروع بلاغة الصورة السردية، كالمكونات، والسمات، والكلية، والكثافة، والإيقاع، والحكي الشاعري، والصورة الحكائية أو القصصية أو الروائية.

والآن، نقدم للقارئ نموذجا واضحا يندرج ضمن مقاربة الصورة السردية في قصص الأطفال. يقول محمد أنقار مبرزا سمات الحكاية الشاعرية:" من تلك السمات أيضا، اعتماد الحكي الشاعري على الفضاء القصصي بوصفه كلمات مكتوبة على الورقة وفق نظام خاص، ثم باعتباره إشارات لغوية قادرة على إحداث تأثير تصوري لدى القارئ؛ ومن هنا اهتمامها بإبراز معالم الصورة الشاعرية الحالمة.ومن ذلك اعتماد الزمن الإيقاعي المتقطع، ورفض الزمن الواقعي الممتد، وتعدد مستويات الوصف (وصف الأماكن/ وصف الطبيعة)، واعتبار البطل الرئيس شخصية أساسا ووحيدة، تطمح إلى إعادة خلق العالم من خلال نظرتها الخاصة المنفردة بصورة يستحيل معها الآخرون إلى أشباح، ثم تنوع مستويات الرموز، والتركيز على موسيقية الكلمات والتراكيب والخصائص الصوتية للحروف، والضغط على بعض نبراتها، واعتماد الأحلام وذكريات الطفولة والمشاعر الذاتية من حيث هي موضوعات أثيرة.

وفي ميدان قصص الأطفال تنحسر بشدة السمات الشاعرية بمفهومها السابق لكي تبرز بدلا منها شاعرية جزئية على صعيد بعض الجمل أو الصور من دون أن تستطيع الهيمنة على كل العناصر نظرا لأن قصص الأطفال تنبني عادة على درامية حركية ترفض الاستكانة. فـ" أليس في بلاد العجائب" للويس كارول هي حكاية حلم طويل ممتد، تملك من سمات الشاعرية الشيء الكثير، ولكنها ليست حكاية شاعرية نظرا لأنها نص مفعم بالدرامية والحركة وتضارب الأهواء، ذو زمن متسلسل بدرجة يصير معها الحلم وسيلة للتأثير وإحداث الانطباع وليس غاية تقصد لذاتها."

وهكذا، يبدو لنا أن محمد أنقار قد أعلن مشروعه المتعلق بالصورة السردية منذ كتابه الأول ( قصص الأطفال بالمغرب)، عندما استعمل مفهومي المكونات والسمات.وأكثر من هذا فقد تحدث عن الصورة القصصية، بالتركيز على الصورة الحكائية الشاعرية. وتحدث أيضا عن مفهوم الهيمنة ودوره المهم في عملية التصنيف والتوصيف والتجنيس والتحليل النقدي. كما استعمل مفاهيم إجرائية أخرى تعتمد عليها الصورة السردية بكثرة منها: مفهوم الامتداد، ومفهوم الإيقاع، ومفهوم الدرامية، ومفهوم الحركية، و مفهوما الجزئية والكلية، وصورة اللغة، وصورة المتلقي، والصورة الشاعرية الحالمة. دون أن ننسى اهتمامه بالمكونات السردية الأخرى، كالموضوع، والشخصية، والفضاء، والوصف، والمستويات السردية، واللغة، والأسلوب، والمنظور السردي…

 

الخاتمة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن محمد أنقار قد قارب مفهوم الصورة السردية في حقل أدب الأطفال بالمغرب، باستخدام آليتي المكونات والسمات، على أساس أن المكونات هي العناصر الجوهرية الثابتة التي تميز قصة طفلية عن قصة طفلية أخرى.في حين، إن السمات هي الخصائص المميزة لجنس أدبي طفلي ما، قد تكون حاضرة أو غائبة. ومن ثم، يتناول الباحث مفاهيم إجرائية كثيرة تستعمل في مبحث الصورة السردية الرحبة أو الموسعة، كمفهوم الهيمنة، ومفهوم الصورة، ومفهوم الامتداد، ومفهوم الدرامية، ومفهوم الإيقاع، ومفهوم الشاعرية، وغيرها من المفاهيم الأخرى التي يزخر بها كتابه القيم.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

ليلة القدر

بقريحة:الشاعر الراحل عبد المجيد فرغلي  لِي فِيْك مَا قُدِّر الْرحَمْن لَي وَطَر … وَبِي رَجَاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *