الرئيسية / عبق التراث / الحناء زينة المرأة القطرية على مر العصور

الحناء زينة المرأة القطرية على مر العصور

زهرة الشرق – متابعة 

 

بين المرأة القطرية والحناء قصة جمال لا تنتهي فصولها أبداً .. رافقتها على مر السنين منذ الزمان الغابر، بل ربما كانت وسيلتها الأولى للتزين والحصول على تلك اللمسة الأنثوية الجميلة.

إنها الحناء، هذه العجينة التي وجدت فيها المرأة سراً من أسرار الجمال، ولوناً فريداً من ألوان الأنوثة الذي ابتدعته وطورته بأناملها الناعمة، ثم سرعان ما صار فناً شعبياً له عشاقه، وواحداً من عناصر الجمال لا تكتمل زينة المرأة القطرية إلا به.

الحناء أو «الحنة» نبات شجيري من العائلة الحنائية جذوره حمراء وأخشابه صلبة تحتوي على مادة ملونة تستعمل كخضاب للأيدي والأقدام وصبغ الشعر، فهي المادة التجميلية الأولى للمرأة في قطر والخليج، وتقوم المرأة بمعالجتها وسحقها ومزجها، لتتحول إلى مستحضر تجميلي، وهي تحمل اسم الحنة وحنا وحناء عند العرب. 

وتعد الحناء من أهم الأدوات التي تستعملها المرأة للتزيين، فتجميل الأيدي والأقدام بالحناء عادة محببة في الأفراح والمناسبات السعيدة، وتعتبر إحدى أهم سمات العرس القطري، فقبل الزفاف بيوم تخضب العروس يديها ورجليها بالحناء، وتسمى «ليلة الحنَّة» وكانت لهذه الليلة طقوس تمارسها السيدات، حيث تجتمع قريبات العروس وصديقاتها ونساء الحي حول العروس وهي تجلس في وسطهن على فراش مخصص لهذه الليلة، ويضربن على الدفوف ويغنين الأهازيج والأغاني ويرقصن فرحاً بالمناسبة، وتقوم إحدى النسوة المتخصصات وتسمى «بالمحنية» بتزيين أطراف العروس بالحناء، مما يضفي على يديها وقدميها لوناً أحمر، زاهياً جذاباً، استعداداً لليلة الزفة، وقديماً قيل: «العروس اللي ما تتحنى ما كأنها معرسة». 

كما وتترافق طقوس وضع الحناء مع ترديد اناشيد معروفة بين النساء، تنشد في مثل تلك المناسبات ابتهاجاً بها، وذلك بعد عملية توزيع الحناء على المدعوات:

ومن أهازيج «ليلة الحنة» المميزة الأخرى «حنونا من حنّاكم .. ترى إحنا نمشي وراكم».

وتكاد لا تخلو مناسبة سعيدة في حياة المرأة القطرية بشكل خاص والخليجية بشكل عام من طقس وضع الحناء، حيث باتت تشكل مظهراً من مظاهر الفرح. فبحلول العيدين (الفطر والأضحى) تعبر المرأة عن فرحتها بأن تتزين بالحناء، وفي الماضي كانت النساء تتخضب بالحناء قبل العيد بيومين أو ثلاث ويكررن الحناء عدة مرات حتى يحصلن على اللون الأحمر الغامق المائل إلى الخمري، كما «تتحنى» البنات الصغيرات اللاتي يسعدن كثيراً بها في تقليد للكبار وسيراً على نهج ميز الحياة القطرية على مر السنين.

وحول كيفية عمل عجينة الحناء تقول السيدة أم راشد: لتحضير صبغة الحنة، كنا نقوم بطحن ورق الحنة بالرحى، وبعد أن نفرغ من طحنه وتحويله الى مسحوق، نأتي بوعاء ونضع فيه المسحوق الناتج، ثم نقوم بغلي الليمون الأسود المجفف، ونصب ماء المغلي عليه ونعجنه حتى يكون جاهزاً للاستعمال، لأن مغليّ الليمون يجعل للحناء لوناً متميزاً وزاهياً، ويزيد احمرار لونه ويساعد على قوة تلوينه. أما اليوم فدخلت مواد كيماوية في صنع عجينة الحناء، والبعض يضع «البترول» في الحناء أثناء العجن، حتى يعطي اللون الأسود أو البني الغامق وهو ما يراه البعض من السلبيات الدخيلة على صناعة تلك المادة التي تمازجت مع التراث القطري والعربي لشبه الجزيرة عبر عقود مضت.

وتشمل الحناء أنواعا كثيرة، ومنها الهندي والشامي والبغدادي والشائكة، والحناء الهندي من أفضل الأنواع وأغناها بالمواد الملونة، فهي تعطي اللون الأحمر الغامق الذي تفضله كثير من السيدات، وهناك أنواع أخرى من الحناء منها العمانية والإماراتية، وهي تستورد من الباكستان، كما توجد الحناء الحمراء السودانية. ومن بين المواصفات الكيمياوية للحناء أنها تحتوي على مادة قابضة ونسبة عالية من المواد الملونة.

وتأخذ نقوش الحناء في قطر والخليج أشكالا كثيرة منها «الروايب» وهي طلاء كل مفصل من مفاصل اصابع اليد، ويرسم خط في منتصف الكف، و»القصعة» وهي تخطيط الأصابع بالحناء حتى الكف، وهناك «الغمسة» أو «الغمصة» وهي طلاء اليد إلى الرسغ، و«البايرج» وهي عبارة عن عمل مثلثات صغيرة في اليد، وهناك الأشكال التقليدية ومنها النجوم والحروف والدوائر. 

وقد اختلفت أشكال الحناء اليوم عنها في أيام زمان، حيث كانت النقوش في ذلك الوقت مختلفة ولكل رسم اسم، فنقش «القصة» و«ابوالبيطان» للعروس والمتزوجات من الشابات، أما الفتاة قبل الزواج فكان عليها أن تتخضب على شكل «الغمسة» وهو طلاء اليد كاملة كالقفاز، وكذلك الكبيرات في السن يتحنين بنقش الغمسة و«الجوتي» أي تطلي أرجلها بالحناء وكأنها تلبس الحذاء.

أما اليوم فقد طغت رسومات ونقوش حديثة وجميلة فهناك النقش الهندي، والنقش برسومات على شكل زخارف أو أوراق، ولا توجد منطقة محظورة في الجسد، حيث تفضل بعض النساء أن يكون النقش على كامل الرجلين من أسفل القدم حتى أعلى الفخذ، وبالنسبة لليدين فمن الكف (من الأمام والخلف أي باطن الكف وظاهره) والمعصم حتى الكتف، كما أن بعض الفتيات في بعض الأحيان يفضلن أن يكون النقش على كامل اليدين والرجلين(من الأمام والخلف).

وكما شمل التطور كل شيء في حياتنا العصرية كان لابد أن يدخل الكثير من التطور والتعديل في فن الحناء لتصبح وسيلة تجميل عصرية، فقد تدرجت الأدوات البسيطة لوضع الحنة، كالقماش والمشط وأعواد الكبريت إلى أن أصبحت الصالونات ومراكز التجميل تتبارى وتتنافس بإعداد كتالوغات تضم رسوماً ونقوشاً مختلفة، فمثلاً الآن اختصاراً للوقت استخدمت معاجين تصنع على هيئة قمع تسهل عملية الرسم والنقش.

ولا يقتصر إستخدام المرأة القطرية للحناء لتزيين الأيدي والأقدام فحسب، بل وتعتبر الحناء أفضل الوسائل التي اعتمدت عليها المرأة في السابق ولا تزال حتى يومنا هذا في معالجة الشعر وجلدة الرأس، فالحناء لها فوائد كبيرة في علاج مشاكل الشعر كمنع تساقطه وترطيبه وإخفاء الشيب، وهي من أفضل أنواع الصبغات، بعيداً عن الأصباغ الكيماوية الحارقة، نظراً لاحتواء ورق الحنة على مادة «اللوزون Lowsone» وهي مادة مرطبة للشعر وآمنة في تلوينه، وعند إضافة الليمون إليها تعمل على تقوية الشعر وتحسينه. وثمة دواع أخرى لاستعمال الحنة، فهي تستخدم في علاج القروح والالتهابات الصديدية وتشقق القدمين وإزالة النمش.

وتحرص السيدات الزائرات إلى دولة قطر من السياح على زيارة القرية التراثية الموجودة قبالة كورنيش الدوحة وهي تمثل متحفاً تراثياً وتاريخياً حياً يقدم لزواره فرصة التعرف على التاريخ القطري ومكوناته العديدة ونشاطاته الاقتصادية والحرفية والتجارية والشعبية وتعكس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت الحياة في دولة قطر، ومنها قسم الحناء حيث توجد مجموعة من «المحنيات» يقمن بتزيين أيدي من يرغبن من الحاضرات بنقوش وزخارف الحناء.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

أريج يناير في الذاكرة الأمازيغية

صونية السعيدي  عبق يناير ينساب كالنسيم العليل في الروافد الأمازيغية الضاربة في جذور التاريخ ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *