الرئيسية / آراء و مواقف / صناعة التاريخ بين الجذور والأغصان

صناعة التاريخ بين الجذور والأغصان

بقلم :إبراهيم أبو عواد – الأردن 

 1 التاریخ لیس ظاھرةً عقلیة مُجرَّدة ، أو إحساسًا مؤقتًا بالمراحل الزمنیة . إن التاریخَ شرعیةُ الوجود الإنساني، وماھیةُ المحتوى الاجتماعي التراكمي ، الذي یحتضن أحلامَ الفرد  وطُموحَ الجماعة . وكما أنَّه لا یُمكن تصوُّر شجرة بدون جُذور ، كذلك لا یُمكن تصوُّر إنسان  بدون تاریخ .

والإشكالیةُ في بُنیة العلاقات الاجتماعیة تتجلَّى في اعتبار التاریخ زمنًا سابقًا  وتراثًا ماضیًا ، لذلك یرتبط التاریخُ في أذھان الناس بالعَودة إلى الماضي ، والرُّجوع إلى  الوراء ،وھذا فَھْم مَغلوط وقاصر ، لأن التاریخ شرعیة مُتجدِّدة ، وماھیة مستمرة ، وزمن  مُتواصل ، وكتاب مَفتوح ، وكُل إنسان یَترك بصمته الشخصیة في ھذا الكتاب ، وكُل حضارة  تَكتب تفاصیل وجودھا فیه . وھذا یعني أن صناعة التاریخ تمتاز بالدَّیمومة غَیر المحدودة  بالأُطُر الزمنیة .

وفي حقیقة الأمر ، نحن نَتقدَّم إلى التاریخ، ولا نعود إلى التاریخ ، لأن التاریخ مَعَنا وفِینا ، بكل إیجابیاته وسلبیاته . والعَودةُ إلى الشَّيء تعني غیابه عن المشھد  الراھن ، ومُحاولة استرجاعه من ذاكرة الماضي السحیق ، ونقله من الماضي إلى الحاضر.  

في حِین أن التاریخ حاضر في قلب الأحداث الیومیة ، ولیس غائبًا حتى یتم استرجاعه، ولا یُوجد وراء ظُھورنا كي نُحاول إحضاره أمام أعیننا .

إن التاریخ كائن حَي نتعامل معه ،  ویتعامل معنا ، في كُل وقت وحِین . وھو كتاب مفتوح على الماضي والحاضر والمُستقبل معًا ، ضمن عملیة صَھر المراحل في بَوتقة الوُجود الإنساني .

والإنسانُ یعیش في قلب التاریخ .  وھذا یعني أن التاریخ لیس غائبًا تُنْتَظَر عَودته ، ولَیس تُراثًا ضائعًا في متاھة الماضي حتَّى  یُسْتَرْجَع ، ویُنْفَض عنه الغُبار ، ولَیس فِعلاً ماضیًا حتى یُسْعَى إلى تحویله إلى فِعل مُضارع . 

2

الشجرةُ الباسقة لا تَعتبر جُذورَھا مُجرَّد مرحلة زمنیة أتت وانقضت ، وتَمَّ تجاوزھا .

وتاریخُ الشجرة كیان واحد مُتماسك، یتمتَّع بالاستمراریة المعنویة والمادیة ، ویمتاز بدَیمومة

الحیاة ، ولا یُمكن فصل الجذور عن الأغصان، ولا یُوجد صراع حول شرعیة الوجود بین الجذور والأغصان، ولا أحد یَطرح سؤال : مَن الأكثر أھمیة الجذور أَم الأغصان ؟ ، لأن  منظومة ( الأصل السابق / الفَرْع اللاحق ) تتحرَّك في قلب الحیاة بشكل مُتوازن ومُنَّسق  وفعَّال لإنتاج الثمر. ووُجود الثمر یعني أن أجزاء الشجرة جمیعھا تعمل برُوح الفریق الواحد،  

دُون صراع، ولا صِدام ، وأن جمیع الوسائل والجھود مُتضافرة ومُرتبطة معًا ، من أجل الوصول إلى النتیجة المَرْضِیَّة . والعناصر تعرف وظیفتھا بدِقَّة ضِمن الكیان الواحد، وھي  مَشغولة بالعمل وإنتاج الثمر . والعملُ والجدلُ ضِدَّان لا یَجتمعان ، ونقیضان لا یَلتقیان . إذا  حَضَرَ أحدھما غابَ الآخَر .

وھذا یُشیر إلى أن دوران عجلة الإنتاج ھو الحَل السِّحري لسد  الثغرات ، وإزالة الخصومات ، وإنھاء النزاعات ، لأن الجھود عندئذ تكون مُوحَّدة ومُركَّزة  

ومُوجَّھة نَحْو التقدُّم والإنتاج والازدھار . وإذا كان فریقُ العمل یَسعى إلى ھدف مشترك ، وغایة واحدة ، ستزول جمیعُ الخلافات بین أفراده . أمَّا إذا زالَ الھدف المُشترك ، واختفت  الغایة الواحدة، وتوقَّفت عجلة الإنتاج، فعندئذ ستظھر الصراعات بین أفراد فریق العمل ،  ویُسیطر علیھم التناحر والنِّزاع، ویغرقون في الفُرقة والصِّدام . 

3

كُل شجرة موجودة في ھذه الحیاة تَحمِل شرعیتھا الذاتیة ( الجذور ) ، وھُویتھا الخاصة ( الأغصان ) ، ومَظھرھا الجَذَّاب ( الثِّمار). وھذا یَجعل شخصیةَ الشجرة مُتماسكة ، بلا انفصام  ، ولا تشتُّت . ویَجعل كیانَھا راسخًا بلا صراع بین الماضي والحاضر . وكُل إنسان على قَید  الحیاة ، لا یتحرَّك في ھذا الوجود وحیدًا ، وإنَّما یتحرَّك حاملاً آباءه في شخصیته الاعتباریة وطبیعة تَكوینه المعنوي والمادي . فالإنسانُ جُزء مِن سُلالة مُستمرة ومُتواصلة ، لذلك یعیش  الماضي والحاضرَ والمُستقبلَ معًا . والأبُ لیس مجموعة جینات وراثیة عفا علیھا الزمن ،  وذھبت إلى النسیان . إنَّ الأب وجود وشرعیة وشخصیة ومعنى وفِكْر . وكذلك التاریخ . 

4

التاریخُ لَیس كَومةً مِن الأفعال الماضیة التي ضاعت في إحدى زوایا ذاكرة التراث. إن التاریخ فِعل مُتجدِّد، یُولَد باستمرار ، ویَتكاثر بلا توقُّف ، وھو مرتبط بأدق التفاصیل الإنسانیة  الذي یَنشأ دُون إدراك ) .

وتاریخُ الإنسان مِثل جِلْده ، لا یَستطیع أن یُغیِّره حتى لو أرادَ ذلك . الیومیة المُعاشة ، ومغروس في الوَعْي ( العقل في حالة الإدراك ) واللاوَعْي ( الشعور الباطن وكُل مُحاولة لمُحارَبة التاریخ ستبوء بالفشل ، والواجب على الإنسان أن یُساھم في صناعة  التاریخ ، وتَرْك بصمته الشخصیة ، وغَرْس وُجھة نظره ، وتكریس رؤیته الشخصیة النابعة  من تجاربه الشعوریة والواقعیة.

وصناعةُ التاریخ معركة حقیقیة یَخوضھا الإنسانُ ضِد أحزانه  وإخفاقاته ونِقاط ضَعْفه، من أجل الوصول إلى حالة التوازن الروحي، والسلام مع ذاته  والآخرین، والمُصالحة مع عناصر الطبیعة.

ومادام الإنسان في قلب المعركة (صناعة  التاریخ)، فھو یعیش أجواء المعركة بروحه وعقله وجسده ، وعلیه أن یكون صَوْتًا لنفْسه لا  صدى لأصوات الآخرین . والحیاةُ قصیرة ، وھذا یعني ضرورة أن یَترك الإنسانُ بَصمته الشخصیة ، ویَعیش حیاته الذاتیة ، ویَكون نَفْسَه ، ولا یتقمَّص شخصیات الآخرین ، ولا  یَعیش حیاتھم .

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الأدوية الذاتية … العلاج بالضحك

د.حسن العاصي- الدنمارك     يصرف البشر الكثير من الأموال في سعيهم للحصول على قسط من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *