الرئيسية / نفحات إيمانية / اغتنام الفرص

اغتنام الفرص

فضيلة الشيخ/ عبدالرحمن بن محمد الدوسري

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))

وفي حديث آخر عنه – صلى الله عليه وسلم -: ((بادروا بالأعمال، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا أو الدَّجال، فشرُّ غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأَمَر)).

وفي حديث ثالث: ((نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس؛ الصِّحَّة، والفراغ)).

في هذه الأحاديث الثلاثة يطلب الرسول الكريم إلى المسلم أن يغتنمَ جميع الفرَص دون تفريط، فيهتبل فرصةَ صحته خوفًا من المرَض، فيستعمل نشاطه في طاعة الله بسائر أنواع الجهاد والكفاح؛ جهاد النفس، وجهاد شياطين الجن والإنس المحاولين فتنة الناس عن الدين، مُستعملاً شُكر الله على الصِّحَّة والعافية في هذا السبيل، ويغتنم فرصة غناه وثروته؛ فيجود ببذلها في سبيل الله؛ تقوية لعقيدته، وزحفًا برسالته، وصيانة لدِينه، مُستغلاًّ فرصتها قبل زوالها بصروف الدهر التي يقلِّبها الله كيف يشاء، وعاملاً على تقْييدها بشُكْر الله باستعمالها الصحيح، عكس عباد الهوى الذين يصرفون ثروتهم ومكاسبهم في الأشر والبطر، أو في الصدِّ عن سبيل الله، شأن الكفرة والملاحدة، الذين مَن سلك مسلكهم فقد تنكَّب عن عبادة الله.

 

كما أن المسرف المبذِّر للمال مخالفٌ لأمر الله، ومُخلٌّ بعبوديته؛ إذ يبدد المال في الشهوات والأغراض الدنيئة، والكماليات والبذخ بأنواعه، أو يصرفه لرياء الناس، وهو مذموم من الله ومعاقَب على ذلك.

 

والعجيبُ أنَّ هذا النوع من المبذرين يبخل على الله الذي أعطاه كل شيء، فلا يصرف المال في الجهات التي أُمر بها ووُجِّه إليها، بل ويأمر الناس بالبخل في هذه السبل، وفي هؤلاء يقول – سبحانه وتعالى -: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ [النساء: 37 – 38]، ويقول: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الحديد: 24].

 

فإذا بخل الناس فالله يُعطي، وإذا جار الناس فالله ينصف ويرزُق ويقدر، فيجعل الغني المُمْسِك فقيرًا، والفقير المحتاج غنيًّا، ما دام أنه تعالى هو الذي يمنع ويَمْنح.

إنَّ المالَ مِن أقوى الطاقات الحيويَّة للمسلم الذي يحمل رسالة ربِّه، فإذا أساء التصرُّف فيه صار مددًا للشيطان وأعوانه، لا مددًا لدِين المسلم وعقيدته، ومِن هنا تظهر حكمة تحريم الإسراف والتبذير، وحكمة حُكم الله على المبذرين بأنهم إخْوان الشياطين.

إنَّ العابدَ لله حق العبادة يضبط ثرْوته بحصْر إنفاقِها في سبيلِه، لا يصْرفها في غيرِه، ولا يبخل بها عليه؛ لئلا يُعاقبه بحِرْمانها أو خسرانها، حسب ما تقْتضيه حكمتُه – جلَّ وعلا.

والعابدُ لله يغتنم صحَّته قبل حُلُول سقمه، كما يغتنم فُرصة غناه قبل فقْره، فالإنسان لا يعلم متى يكون معافًى ويُمكنه العمل والعطاء، ولا يعلم متى تخور قواه، ويضعف جسمه، ولا يتمكَّن من القيام بما أوْجبَهُ الله عليه.

وطالما أنه لا يعلم؛ لذا حثَّه الرسولُ الكريم – صلى الله عليه وسلم – رأفة به أن تستغلَّه ظروف الدنيا؛ ليكفلَ له مكانةً طيبةً في الآخرة.

وكذلك عليْه أن يغتنمَ فُرصة فراغه قبل شغْله، والفراغ نعمةٌ عليه أن يستعملَها في طاعة الله وخدمة دينه بكافَّة أنواعها.

 الواجب هو أن يغتنمَ كُلَّ فُرصة، بل كل ساعة ودقيقة مِن عمره باستعمالِها في مرْضاة الله وطاعته،  لا يخلي لحظة واحدة من عمل أو عزم صحيح أكيد على العمل؛ لأنه لا يدْري في أي لحظةٍ يموت، فكيف يفرِّط في أوقاته ولحظاته الغالية التي لا يقبل الدُّنيا لها ثمنًا؟! قال أحدهم: "أتدري كيف يسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده"، ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجَله بغتة، فيلقى ربه خاسرًا أو نادِمًا، يخبرنا الله – سبحانه وتعالى – عن الذين ضيَّعوا أعمارهم سدى، وباعوها لشياطين الهوى والدجاجلة؛ فيقول: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ [الروم: 55]، ويقول: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: 46].

وما أكثر ما تضيع أوقات شبابنا اليوم – في كثير مِن بُلْداننا المسْلمة – بالشوارع، والاحتفالات الفارغة، ودور اللهو، والخلوات الماجنة التي يسَّرها الاختلاط والانحراف عن جادة الحق؛ جادة الله ورسوله.

 

فما أجدرنا أن نلملمَ أنفُسنا وننطلقَ الانطلاقة الصحيحة التي أرادها الله لنا، ورسم رسولُه طريقها، وعندها يستوي المؤمن صُلبَ العود، عظيم المراس، لا يميل مع كلِّ ريح، ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة، ولا ينْحني مع أي خلة، ولا يندهش أمام أي مُفاجأة، أو يحزن عند أي مُصيبة؛ لتوجهه إلى الله بكليته، واعتماده عليه في كلِّ نائبة، واحتسابه العِوَض منه على كلِّ شيء، وبذلك تكون شجاعته كاملة، وبطولته خالدة، وأخلاقه فاضِلة، وصبره معينًا لا ينفد، بخلاف غيره من أهل الهوايات المادية، والغوايات النفسيَّة، فإنهم وإن كان في بعضِهم شجاعة وصبْر، واستخفاف بالنوائب، لا بُدَّ أن تنال منهم الأحداث مأربها، ويرغمهم خصْمهم على ما يريد.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

من لآلئ القلوب : الحنان

بدر الحسين الحنانُ قِرْبَةُ ماءٍ في صحراءَ واسعة، وظلٌّ وارفٌ تأنَسُ إليه الروحُ الظَّمأى عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *