الرئيسية / عبق التراث / المؤثرات الأندلسية في الفن المعماري المغربي

المؤثرات الأندلسية في الفن المعماري المغربي

محمد مزيان مقدمة- المغرب .

لايعتبر الحديث عن الفن المعماري المغربي ترفا فكريا، وليس استهلاكيا، ولكن ضرورة بحثية نظرا لأن مثل هذه المواضيع هي تأكيد على الهوية الوطنية وعلى تجذر الأمة المغربية في التاريخ وعلى عمق الشخصية المغربية وتعدد روافدها الثقافية. فإذا كانت الدراسات التاريخية قد تناولت دور المغرب في نشر الحضارة بحوض المتوسط ودوره في العلاقات الدولية والديبلوماسية وأفسحت المجال لدراسة أعلام الفكر والدين، فإن ميادين الحضارة المادية المتمثلة في الآثار والفنون والصناعات، التي تعكس الجانب الفكري والثقافي والعقائدي، وتشرح المستوى الاجتماعي والاقتصادي لم تتح لها دراسات خاصة مستفيضة تلم شتات تلك المفاخر[1]. هذا وقد شكل المجال المعماري سمة بارزة في التطور الحضاري المغربي مستفيدا من موقعه الجغرافي بكونه مجالا للتفاعل الحضاري ولمرور العديد من التيارات الثقافية على مر العصور، ومن ذلك الحضارة الأندلسية، فالمغرب قد تأثر بعمق ومازال بهذه الحضارة، ومازالت فنون هذه المدن تعيش في تراث ذلك الفن الاسباني المغربي منذ عصور المرابطين والمرينيين[2]. حتى صار اسم الحضارة الأندلسية يذكر مقرونا بالحضارة المغربية، لأن الاشكال المطروح هو ضرورة وضع تأثير الاندلس في المغرب في موقعه الصحيح، وتجنب كل أشكال الغلو والمبالغة في تقديره.

 

فإذا كانت المصادر المغربية[3] تتميز بنوع من النمطية والتكرار بحيث أن استقرار تقاليد الكتابة لدى مؤرخي العصر الوسيط، جعل من الصعب الحصول على جديد بداخلها، فالمعلومات عادة ما تنصب على الحدث السياسي والعلمي بينما لا يأتي الحضاري إلا عرضا فبالمقابل نجد الكتابة الاستشراقية تغالي كذلك في إبراز هذا التأثير ودوره في الدفع بعجلة العمران المغربي إلى مصاف الابداع. لهذا طرحت عدة اشكاليات المركزية من قبيل:

– ما مسار الفن المعماري بالمغرب ؟؟

– ما تجلياته؟ وما مظاهره؟؟

 

 لحل اشكاليات الموضوع اقترحت تصميما يسير في اتجاه إبراز خصائص العمارة المغربية ثم توضيح بعض التجديدات التي أدخلت على العمارة المغربية واستجلاء ما تزخر به من فنون ابداعية استطاعت الصمود في وجه الزمن إلى يومنا هذا. وسنركز على التأثير الأندلسي في المجال المعماري المغربي.

 

المحور الأول: مميزات العمارة المغربية.

 

1- النموذج المبكر.

 

إن المسيرة الفريدة لتاريخ المغرب وكذا الموقع الجغرافي والطبيعي وطبيعة الشعب المغربي جعلت المغرب مجال تلاقح حضاري متنوع إلا أنه احتفظ بمميزاته التي استمدها من طبيعة البلد، حيث تأصلت الحضارة المغربية منذ كانت، في المزاوجة بين الجانب المادي الذي تمثله مظاهر الحضارة العمرانية والمدنية وبين الجانب الروحي الذي تستمد منه اتجاهاتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد تأثر الفن الأمازيغي منذ أكثر من ألفي عام بمدنيات مختلفة ومزج عناصره المحلية بأخرى استمدها من القرطاجيين والرومان والبزنطيين… إلى ان انصهر أخيرا في بوثقة الفن العربي الإسلامي[4] وتمثل “القْصُور” ما تبقى للمغرب من تراث هذه العمارة القديمة وبخاصة في الجنوب هي بحق قلاع مشيدة ب”الآجُر الطيني” وكانت محاطة بجدران عالية ترتفع في تخوم الصحراء مكونة من تجمعات ضخمة فريدة للغاية بمساكنها المنبسطة السقوف المزينة بالعقود والجدران ذات التخاريم تحف بها أبراج مربعة، تحوط قممها الشرفات فهناك من جهة بعض المنشئات المحصنة المشيدة من الأحجار دون استخدام الملاط. ومن جهة أخرى نجد في كل مكان في تخوم الصحراء ومقابل الأطلس وسوس والأطلس الأعلى وحتى الأطلس المتوسط أبنية مصممة بطريقة أفضل تشبه القلاع القوية وتستغل بذكاء التضاريس وتحلى أجزائها العليا زخارف ملونة وأشكال هندسية ناشئة وتسمى هذه الأبنية “إغرم أو تغرمت”[5]

يرتكز "تغرمت" على برج مشيد من الحجر يمثل موقع الدفاع عنه، والبرج مربع القاعدة هرمي الشكل يضيق في اتجاه القمة وتجلب الحجارة التي تستخدم في البناء عادة من الأودية المجاورة وتبرز على مسافات منتظمة من جدران البرج دعامات خشبية أفقية تظهر من الخارج، وتتراكم فوق بعضها البعض، وترتكز إلى البرج بقية أجزاء المسكن الذي يتكون من عدة أبنية تربطها معابر وأفْنية يحوط بها جميعا جدار خارجي وتشيد هذه الجدران إما من الآجر الطيني أو تبنى بنسب متساوية من لبنات الطين والحجر ويوجد المدخل الوحيد عند أبعد نقطة من البرج[6]. فالفن الأمازيغي القديم يعتبر المصدر المحلي الذي استوعب ميراث الفنون العربية السابقة ثم استقبل تيارات وتأثيرات الفنون العربية منذ فجر الاسلام بالمغرب وانصهرا معها في بوثقة مغربية مشرقية.

2- النموذج الإدريسي

 

يبدأ النموذج المغربي المبكر مع ظهور الإسلام بالمغرب ذلك أن الفن الأمازيغي القديم يعتبر حلقة من حلقات فنون العالم القديم، بينما يعتبر الطراز المغربي منذ فجر التاريخ الاسلامي أحد فنون العالم الوسيط. ومع ذلك فإن كلا من الفنين يقترب من الآخر ويمتزج به. ومن الجدير بالملاحظة أن الفن المغربي في عصور ازدهار الحضارة العربية الاسلامية لم يتخل مطلقا عن مميزات عديدة وكبيرة للعمارة المغربية الأمازيغية كشبكة المعينات المتجاوزة التي لم يكتب لها الرواج والخلود على المستوى الوطني والعالمي إلا بعد انتصار الاسلام بالمغرب والأندلس[7].

 كان لموقع المغرب الأقصى وللظروف التي مر بها دور واضح في تأثره بالطرق المختلفة في التشييد والبناء فمنذ أن صار إقليما إسلاميا وتأسست على أرضه دولة الأدارسة (172هـ ـ375ه/ 990.785م) حتى أصبح مقصدا للأسر العربي الوافدة من القيروان، بالإضافة إلى الوافدين من مدن المشرق وقد حمل الوافدون معهم خبراتهم في طريقة البناء، ثم ظهرت المؤثرات الشرقية في عمليات البناء[8]. هذا وتبقى أهم سمة للعمارة المغربية مشخصة في العصر الإدريسي الذي خلف لنا تراثا معماريا كبيرا بمدينة فاس[9]. حاضرة المغرب التي وضع نواتها الأولى إدريس الأكبر منذ 172ه بتأسيس مدينة بالعدوة الشرقية أسست على الطراز الأمازيغي وطورها إدريس الثاني وأدار حولها الأسوار وبنى بها جامع الأشياخ من ست بلاطات كما شرع في بناء العدوة الغربية على الطراز الشرقي عام 193ه فأدار حولها الأسوار وبنى مسجد الشرفاء من ثلاث بلاطات لصق داره المعروفة “بدار القيطون” ثم أنزل الوافدين عليه من الأندلس، وفي أيام محمد بن ادريس كثرت العمارة بفاس وقصد إليه الناس من الأندلس وإفريقية وجميع بلاد المغرب فضاقت بسكانها، فبنى الناس الأرباض بخارجها. وبنى الأمير يحيى الحمامات والفنادق للتجار وغيرهم.[10]

هذا وقد استمد الأدارسة التصميمات الهندسية من الفن الأندلسي الذي يرجع بدوره للتأثير البيزنطي والقيرواني المتأثر بالقرطاجي، فكانت المدن تحاط بالأسوار والمواد الأساس في البناء من الآجر والجبص والطوب والمرمر.[11]

 

 كان من بين الوافدين على فاس أيام يحيى بن محمد بن إدريس(848م-864م-) رجل يدعى محمد بن عبد الله الفهري مع أهل بلده فمات وترك ابنتين هما فاطمة المدعوة بأم البنين وأختها مريم، وكان تحصل لهما بالإرث مال كثير طيب من والدهما، ورغبتا في أن تصرفاه في وجوه من أعمال البر فعلمتا باحتياج الناس إلى جامع كبير في كل عدوة من فاس لضيق الجامعين القديمين بالناس فشرعت فاطمة في بناء جامع القرويين ومريم في جامع الأندلس[12]. وبني جامع القرويين من أربع بلاطات من قبلة إلى الجوف وفي كل بلاط اثنا عشر قوسا من شرق إلى غرب وجعل محرابه بمقدم البلاط الذي امام الثريا الكبرى اليوم وجعل بمؤخره حصن صغير وصومعة حيث “الغنزة” اليوم[13].

 عموما تتميز عمارة الأدارسة في جامع القرويين بعقودها الموازية للقِبلة شأن المساجد المبكرة في الشرق، ولا شك أن نظام العقود الموازية كان أوفق للعبادة لمساعدة المصلين على تنظيم صفوفهم وقد استمرت عمارة الطراز المغربي يلتزم نظام العقود الموازية إلى بداية عهد المرابطين الذين استخدموا العقود العمودية على القِبلة ما عدا توسعتهم بالقرويين حتى نهاية العصر المريني.

 

ومن المرجح أن العمارة الإدريسية أقبلت على استخدام العقد المسمى ب"نعل الفرس" وهو عقد يرتفع مركزه على رجلي العقد فيتألف من قطاع دائرة أكبر من نصف الدائرة ولهذا يسمى بالعقد المتجاوز وهو العقد الذي كان شائعا عند معاصريهم الأغالبة بإفريقية كما ظهر بالأندلس أيام الأمويين وهو نوع من العقود المغربية المستوردة من المشرق[14] ومن الناحية الخطية فقد استعمل الخط الكوفي المبسط في شعار “لاغالب إلا الله”. كما استعمل خط النسخ متحدا مع الزخارف الهندسية والنباتية.[15]

المحور الثاني: التأثير الأندلسي الإسلامي على العمارة المغربية.

1- العمارة المغربية خلال العصر المرابطي( 448 هـ – 1056 م – 540 هـ – 1145 م.)

 

إذا كان الفن يتطور بتطور الأمة فيعبر عن نفسية أهلها وما تجيش به قرائحهم ومواهبهم حسب البيئة التي يعيشون فيها، فإن ذلك ينطبق على العصر المرابطي (448 هـ – 1056 م إلى سنة 540 هـ – 1145 م. ) وما عرفه من استقرار في الأمن وتوفر الرفاهية وقيام العدل ونشاط وظيفة الحسبة التي شملت القيام بمهام التعديل والاضافة اللازمة في المساجد والمباني العامة باتفاق مع أمير المسلمين على غرار ما فعله قاضي فاس سنة 529ه من زيادة في مسجدها الجامع[16].

هذا وقد اهتم المرابطون بالعمارة، أيما اهتمام، ذلك أنه لما أصبح الأندلس إقليما تابعا للمغرب الأقصى[17]، شاهد أمراء المرابطين تلك المهارة الفائقة التي تميز بها عمال البناء بالأندلس والتي تجلت في المنشآت من قصور ومساجد وحمامات وغيرها ومدى ما وصلت إليه تلك المباني من إحكام الصنعة ودقة في التشييد ومن تم قرر ولاة الأمر الاستعانة بخبراء البناء في الأندلس ليسهموا في حركة التعمير بالمغرب الأقصى[18]، الشيء الذي يبرز تطور وازدهار الفن الاسباني المغربي في هذه المرحلة.

قام يوسف بن تاشفين بإحضار المهندسين وعمال البناء من الأندلس ليستعين بهم في حركة البناء التي قام بها بمدينة فاس[19] في هذا يقول صاحب زهرة الآس: ” أنه في أيام لمتونة هدمت الأسوار التي بنيت أيام الأدارسة، الفاصلة بين العدوتين وبين أرباضها وأصبح السور الذي كان بأعلى الوادي الكبير بقرب حوض السفرجل والسور الذي بأسفله… الذي كان بناها دوناس … وجعل في ذلك أقواسا بشابيك من خشب الأرز بالعمل المحكم لدخول الماء وخروجه وكان بين العدوتين قناطر للمجاز من كل عدوة إلى الأخرى… وما زال كبير لمتونة يوسف بن تاشفين في زيادة المساجد بفاس وسقايتها وحماماتها وإصلاح أسوارها واقدم من قرطبة جملة من صناع الأرحى فبنوا فيها كثيرا.”[20]

نفس الإشارة نجدها عند أبي زرع ذلك أنه لما دخل يوسف بن تاشفين مدينة فاس حصنها وأتقنها وأمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين المدينتين، عدوة القرويين وعدوة الأندلس وردها مِصرا وأمر ببنيان المساجد في أحوازها وأزقتها وشوارعها وأي زقاق لم يجد فيه مسجدا عاقب أهله واجهدهم على بناء مسجد فيه وبنى الحمامات والأرحاء وأصلح أسواقها وهدب بناءها…"[21]

 على العموم فقد امتازت مباني المرابطين بالضخامة والقوة والاتساع مع الاقلال من الزخرفة وهذا يتماشى مع المبدأ الديني الذي نشأوا عليه، مع ميلهم للبساطة، وقد حظيت المساجد باهتمامهم حيث حرص أمراء المسلمين على بناءها في أنحاء البلاد. وقد تميزت هذه المساجد بالفساحة وفخمة الأبنية ذات رحابات فسيحة مكشوفة تحيط بها أروقة ذات عقود مستديرة بسيطة الاتساع كل رواق منها بلاطة واحدة تقوم على دعامات ضخمة قصيرة الجذوع والقواعد ولا"تيجان" لها وجل "السواري" التي تقوم عليها بناية القرويين تتكون من قطع الآجر فهي مربعة القاعدة في معظم الأحوال وفيها القديم الذي ركب من اسطوانات صخرية، وفيها" المقصص" الشكل والمضلع كذلك بالإضافة إلى هذا يوجد عدد من السواري الرخامية نقلت مع اكليله من الأندلس، كالحال في السواري الأربع التي يقوم عليها قوس المحراب والسواري الخمس التي تتوزع على أبواب الرواح بين قاعدة الصلاة وجامع الجنائز والسواري الثلاث التي تحمل قبة جامع الجنائز "مقربصة"[22] وتمتاز كذلك بحصون فسيحة تقوم على عقد من نفس الطراز السابق ومآذنها منفصلة عنها تقوم إلى جانبها أشبه ما تكون بالمنابر العالية[23]. ومع عدم الميل المرابطي غلى الزخرفة إلا أنهم أباحوا ذلك في بعض مساجدهم، وذلك ما حدث في جامع القرويين بفاس مثلا أثناء توسعته سنو 533هـ، حيث زين محرابه وقبته بألوان مختلفة من الزخرفة والنقش فقد وصف الجزنائي ذلك بقوله:” … وأخذ في عمل القبة التي بأعلى المحراب وما يحاذيها من وسط البلاطين المتصل بهما فعل بالجص المقربص الفاخر الصنعة والنقش فيه على المحراب ودائرة القبة التي عليها ورفش ذلك بورق الذهب، واللازورد وأصناف الأصبغة وركب فيه الشماسات التي بجوانب القبة أشكال متقنة من أنواع الزجاج وألوانه على أحسن ما أريد ثم أخذ في تغشية بعض ابواب الجامع بصفائح النحاس الأصفر بالعمل المحكم والشكل المقتن.”[24]

يمكن القول أنه ابتداء من عصر المرابطين بدأ عصر جديد في العمارة الدينية المغربية حيث ظهرت مساجد فسيحة وغنية وعرفت بناء الأكتاف الحاملة للعقود بالآجر أحيانا وأحيانا أخرى بالطين المغطى بالملاط[25]، ويعتقد المستشرق هنري طيراس أن هذه المساجد المرابطية مان ذات بلاطات عمودية على جدار القبلة تماشيا مع التقاليد الغربية في الأندلس أكثر من التقاليد الافريقية وهو ما يختلف فيه مع جورج مارسي الذي يؤكد أنه لكي نتابع تطور المخطط المعماري والأشكال الانشائية المتبعة في قرطبة يقتضي بنا العبور إلى إفريقيا لكي ندقق هناك في تركة السلالات الأمازيغية في القرن الحادي عشرن والثاني عشر.[26] فعمارة وزخرفة المسجد الأعظم بتلمسان تعطي للعمارة الاسلامية المغربية أول مثال معروف “للمقربص” المعماري الذي أخذ سبيله إلى الانتشار كوسيلة لتحويل المربع في التخطيط الارضي المراد اقامته فوقه، فيكون “المقربص” كمرحلة انتقال هندسية لتحويل المربع إلى مثمن تجلس عليه رقبة قبة مستديرة، هذا المسجد الذي أسس سنة 1096… أقيم منذ وصول المرابطين وبنفس الوقت الذي شيد فيه قصرهم القريب منه … يدين هذا المسجد إلى المسجد الكبير في قرطبة بإطار محرابه والقبة المعرقة التي تتقدمه. وهي تتكون من ستة عشر قوسا خفيفة متماسكة بصيغ جصية مفرغة تتشابك وتتحدد قلنسوة ذات مقرفصات تنهض من القمة[27].

 

أما بخصوص الزخرفة المرابطية فتنبعث منها نماذج تعكس أصولها المشتركة بين فنون العدوتين المغرب والأندلس وهكذا نرى المراوح النخلية المُعرقة والمختمة الشبيهة بأوراق الأكانتيس التي تذكر بزخارف قصر الجعفرية بسرقسطة،[28]

جدا

وتنتشر بجامع القرويين عدد من العقود الصغيرة المتقاطعة والمفصصة والمتجاوزة ، العقد الرخوي الذي تتناوب فيه العقود نصف دائرية مع العقود الصغيرة المدببة كمرحلة انتقالية إلى ذلك النوع الذي سيشيع مستقبلا أيام الموحدين، ويعرف جامع الجنائز المثال الأول للعنصر الثعباني بمساند العقود وتشهد البلاطة المحورية بالقرويين نماذج من القباب المُقربصة ذات الزخارف النباتية ، كما رصعت القاعدة المربعة التي تقوم عليها قبة جامع الجنائز بقباب مفصصة[29].

أكد المؤرخ الفرنسي طيراس عند حديثه عن الفن المرابطي أن علي بن تاشفين فاق والده بكثير في المؤسسات المعمارية مع أن يوسف نفسه كان من كبار البناة والمؤسسين، رغم أن معالم جميع ما أقامه من قصور ومساجد في مراكش، قد اندثر باستثناء قبة "البردعيين"( قرب جامع بن يوسف) ومسجد تلمسان عدا منارته ومعظم أروقة جامع القرويين الزاخر بروائع الفن المقتبس طبق الأصل من الفن الأندلسي بما كان ينطوي عليه في القرن الخامس الهجري من رقة وشاقة وروعة وزخرف، وعن ذلك يقول مارسي:" وتمة نسقان من الأقواس يقطعان بصورة قائمة ممرا محوريا يؤدي إلى المحراب ، يحملان مجموعة من القباب ذات الزخرفة الفنية والمنوعة، والقبة التي تسبق المحراب تحمل اسم الأمير المرابطي علي بن يوسف."[30] أما الزخرفة الخطية فقد أبع فيها الفنان المغربي أيما إبداع فالخط الكوفي كان أكثر استعمالا من سواه على مختلف الجهات وكثيرا ما يملأ الفضاء بين الحروف بأشكال تحاكي أوراق النخل، وهكذا تزيد هذه النباتات في المنظر الرائع لتلك اللوحات، دون أن تؤثر في أشكال الحروف الأمر الذي بلغ بالخط الكوفي قمته في التوازن والتناسق[31].

إن استخدام "الدك" الذي يبدو استعمالا أندلسيا صرفا كان يقوم على قاعدة من الحجر الغشيم في تلمسان في الباب المنسوب إلى المرابطين والذي يطلق عليه اسم "باب الكرمدين" ولسوف يعم استعماله في القرن الثاني عشر في المنشآت الموحدية[32] في عصر علي بن يوسف زودت مراكش بسور نم الطابية على النظام الأندلسي… وتتجلى التأثيرات الأندلسية في الأبراج المستديرة الشكل وفي السور الأمامي، والقلعة على شكل متعدد الأضلاع يميل إلى الاستطالة، ويدعم السور الخارجي أبراج نصف دائرية تقوم في زوايا السور[33]. كما كانت الحصون تشيد بالحجارة والطوب ذات جدران سميكة وتتخللها أبراج نصف دائرية للمراقبة[34].

 

العمارة في عهد الموحدين ( 1121 م-1269 م)

إذا كان المرابطون قد استقبلوا المؤثرات الأندلسية دون أن يغيروها، فالموحدين على العكس من ذلك، فمنذ اللحظة الأولى أبدعوا فنا جديدا. والسبب في ذلك انهم كانوا من سكان الجبل المستقرين في حياتهم كما كانوا أكثر ثقافة من المرابطين الذين كانوا من القبائل الرُحل، وقد حظيت دولة الموحدين بعدد كبير من الملوك البنائين الذين لا تعادل آثارهم في العظمة والاتزان آثار أخرى فيما عدا آثار المرينيين[35]. وقد كان للآراء الصوفية التي حملها الفرسان النساك من أربطتهم الصحراوية أثر في الحد من الزخرفة، فبدأ في منتصف القرن الثاني عشر طراز جديد ينمو بتشجيع الحكام من أسرة الموحدين حتى بلغ قمته خلال القرن الرابع عشر في غرناطة حضن الاسلام الأخير في إسبانيا حيث ساهم الموحدون في تأصيل نوع من التوحيد بين عناصر الفن الاسلامي في المغرب.[36] استطاع الموحدون بفضل ما أبدعوه من روائع تبوؤ المقـام السامي في تاريخ الفن الإسلامي، لا سيمـا في عهد يوسف الذي عاش في إشبيليـة حيث زينها بأروع البنايات والمؤسسات العمومية ثم جـاء ولده يعقوب المنصور، فكـان أبدع بناء في تاريخ المغرب الفني وقد تجلت هـذه البدائع خاصة في إشبيلية والربـاط ومراكش ومناراتها (خيرالدا وحسان والكتبية) وأصبحت مراكش ببناياتها وقصورها وحدائقهـا أشبه ببغداد في الشرق كما أشبهت مدينة فاس دمشـق في روائها الفني وطبيعتهـا الخلابة[37].

الظاهر أن التأثير المتبادل بين المغرب والأندلس يشكل إحدى أهم محاور تاريخ الغرب الاسلامي في العصر الوسيط. فالتأثير الاندلسي يتمظهر داخل المدن والقرى المغربية بطريقة يمكن معها القول أن مكونات الثقافية والحضارية الأندلسية تشكل جزءا من المظهر الثقافي المغربي، فالموحدون أصحاب مدرسة في فن العمارة وفي الزخرفية من أهم تعاليمها التبسيط بقدر الامكان من التكوينات الزخرفية وتجريد "التوريقات" من عناصر حية وطبعها بطابع الورع الذي يعكس اتجاههم الإسلامي[38].

ويرى طيراس أن الموحدين قد غيروا مسار الفن الاسباني المغربي حيث أكثر الموحدون من تشييد البنايات الضخمة ورفع الهياكل الخالدة وكان لهم ذوق خاص في البناء حيث اهتموا بالإنشاء والتعمير سواء في المغرب أو الأندلس، وحظيت مراكش والرباط وغيرها من المدن المغربية بكثير من المنشآت الموحدية وقد أولى الخليفة عبد المومن ( 487 هـ- 558 هـ، 1094 م – 1163م) اهتمامه بالبناء والتعمير ومن ذلك انشاءه لمدينة الفتح وبجانب ذلك انشاؤه لكثير من المساجد والقصور في أنحاء مختلفة من البلاد وقد جرى خلفاء الموحدين على سياسة المرابطين وهي الاستعانة بخبرة اهل الأندلس وبرزت أسماء أندلسية كأحمد بن باسة الذي استعان به الموحدون في كثير من أعمال البناء.[39] والحاج يعيش المالقي الذي اشترك في بناء الحصن جبل طارق[40]، وكان المنصور الموحدي يستخدم أسرى الأندلس في أعمال البناء بعاصمته وأثمرت الخبرة الأندلسية تمرتها بأرض المغرب الأقصى، وظهرت تلك المنشآت والأبنية كجامع القرويين جامع تلمسان ثم جامع الكُتبية وجامع القصبة بمراكش وجامع حسان برباط الفتح وقصبتها[41].

يقدم مخطط مسجد الكتبية تطورا للشكل المطبق في قرطبة والمكرر في مساجد المرابطين وتغطي الأجنحة كما هو الأمر في قرطبة وتلمسان بالجلمون والقرميد وهي متجهة نحو العمق[42] كما ان استخدام الدك الذي يبدو استعمالا اندلسيا صرفا قد استعمل في مراكش حيث نرى الجدار والدك و الأبراج المدعمة في “تنمال” وفي سور الرباط الضخم ، غير أن ما يؤكد امتياز هذه المنشآت الدفاعية في الفن الاسلامي هو الأبواب الأبدية ك “باب الرواح” باب “الوداية”، وباب القصبة الذي يطلق عليه باب “كناوة” في مراكش، ولقد مكنت الحجارة المرصوفة بدقة في هذا الجزء من القلعة من نقش زخرفة عريضة تحيط القوس الحدوي نصف الدائري أو المكسور[43]. والجدير ذكره أنه بفضل الموحدين تجلى القرن السادس الهجري لبعض علماء الآثار كعصر بلغ فيه الفن مرحلة الأوج في القسم الغربي من العالم الاسلامي كما أن التأثير الأندلسي بدا واضحا حيث أن عددا كبيرا من رؤوس الأساطين في الكُتبية هو من أصل أندلسي فالأعمدة الأربعة التي تساند قوس المحراب من مخلفات الفن الأموي، وتوجد أيضا في المسجد الموحدي بقصبة مراكش أعمدة أموية[44].كما بلغت الزخرفة أوجها وقمتها متحدة مع ذلك مع الفن الاسباني، فالزخرفة الجصية تسود الأبنية الآجرية في ترابط هندسي قوي، وتكرر شكل العقد الحدوي في عقيدات صغيرة مسننة ونظمت المسطحات بإطارات هندسية دون ملئها بأي تفصيلات، وهي تجعل في بناء الآجر في العقود المدببة مظهرا جانبيا يشبه ريشة الخوذة وبه شرشرة دقيقة كالمنشار والقبوات غنية بالمقرنصات وحشيت الوصلات بالأرابيسك المسطح. كما أن ورقة الأكانتوس المزدوجة تشكل العنصر الرئيس للزخرفة النباتية الموحدية حيث تختلف عن الزخرفة المرابطية، فهذه الأخيرة أقل تنوعا ومقتصرة على أشكال أقل عددا هي كجميع أنواع الزخرفة الخاصة بنفس العهد، كثيفة جدا وذات مقياس مصغر حتى تكاد تصبح مختلطة المعالم[45]. أما الزخرفة النباتية الموحدية فهي أكثر بساطة وأكثر عرضا فالزخرفة التي تظهر الزهد الموحدي تتضمن مساحات فارغة، حتى تكاد توحي أحيانا بشيء من الفقر. وبذلك فقد شملت حركة البناء والتعمير تنوعا كبيرا[46] فحسب عبد الواحد المراكشي لم ير ما يشبه الأندلس في حسن المباني والتصنيع إلا ما شيد بمراكش في دولة بني عبد المومن. ومن أهم مساجدها الكُتبية الذي أشرف على بناءها المهندس الأندلسي “جبير”[47]. ففي (منارة الكتبية) توجـد طبقات متوالية من الغرف المقوسة السقف تصل بينهـا درج مركزية لا مرقاة لها ويلاحـظ وجود نفس التصميم في كل من (الخالدة) و(حسان) ، فالجدار مطلية بجص أصفر كلس أي ضارب إلى اللون الرمادي ، وما زال هذا التسليط جاريا به العمل في مراكش الآن وتنعكس على صفحته تموجـات وضاءة تنسل داخـل المنارة من النوافذ المفتوحـة في عرض الحائط وتؤدي الدرج آخر المطاف إلى الجزء العلوي من المتذنـة المطل على المدينة وتستمد النقوش تسطيراتها من أشكـال الزهر والسعف الجامعة بين القوة والرقة، أمـا في الطبقة الأرضية فإن القبـة مخروطـة الشكل تبعا للأسلوب الإسلامي الإسبانـي، بينما تحتوي القاعـة السادسـة والأخيرة على أغنـى قبة ثمانية الهندام ذات ضـلاع ومقريصات تتكون منها مجموعـة هندسية رائعة، ولكن لا يـلاحظ في مجموعة أجزاء المنارة أي عنصر جديد بنفـس الأسلوب أو الهندام العام الشائعيـن في المغرب.

مؤثرات العمارة الاسلامية على عهد المرينيين. 1244م – 1465م

 

اهتم المرينيون اهتماما كبيرا بالفن العمراني، فشكل الفن المريني مدرسة قائمة الذات تمتاز بهندسة معمارية دقيقة وهندسة فنية تمتاز بدقة النحت والنقش والنخر والاعتناء بالساعات المائية، مثل مدرسة البوعنانية بفاس وتمتاز بتزويق الحائط الفسيفساء والزليج واستعمال الخشب ونحته وتصفيفه وقد قل الاقتباس والتقليد القديمين واعتمد على المدارس الفنية الأندلسية في النحت على الخشب والرخام بالتلوين والتهذيب. وأعانهم الخط العربي بجمال أشكاله وبساطتها على جمال النقش كما اعتمد على "الكايزات" في البناء لأن ألواحها تريح الجزء السفلي في البناء وتحمل الجزء العلوي لئلا ينكسر[48].

هذا وقد ازدهرت مظاهر الحضارة والعمران في عهد بني مرين الذين اصبحوا أقوى ملوك افريقيا الشمالية إذ بالرغم من محتدهم الصحراوي فإن هؤلاء الرجال استطاعوا بفضل اتصالهم المزدوج ببني نصر ورثة الحضارة الأندلسية وبالموحدين، التكيف والانسياق في مجريات الحضارة تبعا لمقتضيات المدنية على استمداد من معطيات الفكر الاسلامي والمجالي، وقد تبلور اتجاههم في إقامة المدارس المحصنة والمساجد وقباب الأضرحة والفنادق المزخرفة والمدارس الفخمة التي أضفت على المغرب المريني طابعا خاصا من الروعة والبناء[49].

تلك هي المظاهر التي يمكن أن نستخلص منها صورة الفن المريني الذي بدأت تتبلور فيه مجالي الازدواج بين الطابعين الأندلسي والمغربي في شكل جديد سمي بالفن الاسباني الموريسكي[50] ، وبالرغم من التأثيرات الأندلسية وسمة هذا الفن فإنه اصطبغ بسمة خاصة، إذ عوضا عما كان يذكر المهندس الأندلسي من رغبة في تحقيق التوازن بين القوى في المعالم المعمارية، هدف المهندس المغربي إلى ضمان متانة الهيكل بالإضافة إلى ما كان يشعر به من حاجة إلى مزيد من الزخرفة والتنسيق.

وعموما فالفن المريني يمتاز بإيغال في التوريق والتسطير والنقش مع قلة توازن بين الأجزاء وعدم جودة المواد فإن المجموع ظل كما يصفه المؤرخ أندري جوليان واضح المعالم متوازي النسب تتجانس نقوشه، تجانسا رائعا ضمن الحيز الذي يملأه، هذا إضافة إلى ما انطوت عليه الألوان من دقة وتجانس كاملين.[51]  

هذا بشكل عام أما إذا أردنا أن نفصل ما سبق ذكره، نجد أن المرينيين قد برعوا في هذا المجال بشكل لافت، رغم أن اسبانيا لاتحتفظ بأي مسجد مريني[52]. لذا فإن هذا يقتضي أن نبحث عن هذه المساجد في افريقيا الشمالية، ومن الملاحظ أن أبعادها أصبحت بصورة عامة أكثر صغرا وأصبح نظامها أكثر بساطة مما هي عليه في مساجد الموحدين في مراكش والرباط واشبيلية وتبدو بعض المعالم فيها موروثة عن عصر الموحدين، كالقبة المُعرقة التي نراها في المسجد الكبير بتازة الذي خلف مسجدا من القرن 12 م وبالمسجد الكبير في فاس الجديد، هذان البناءان يحددان رابطة بين الأسلوب الموحدي والأسلوب المريني[53]. ظهر التميز المريني في مساجد فاس بوجود أجنحة الحرم متجهة بشكل متواز لجدار القبلة وليست قائمة على الجدار، ومن هذه المساجد نذكر مسجد الزهر الصغير، مسجد “الشرابليين” ومسجد أبو الحسن في الطالعة الصغرى[54]. يرى الاستاذ مارسي أن تبني هذا المخطط محاكاة لبناء المساجد المحلية القديمة، والتي كانت هي ذاتها مستوحاة من بيوت الصلاة الأولى في المشرق. بالإضافة إلى المساجد أنشأ بنو مرين عددا وافرا من المدارس في المدن الهامة التابعة لهم ، في فاس كما في سلا، ومكناس وتازة وتلمسان، وفي مدينة الجزائر، ومن أكمل منشآت الفن الاسلامي مدرسة الصهريج، ومدرسة العطارين، وليس بإمكاننا تجاوز مدرسة “البوعنانية”[55] وهي أكثر المدارس فخامة.

 هذا وقد استعملت الزخرفة المرينية نفس المواد التي استعملت في زمن الموحدين غير أن بعض الخصائص التقنية قد توطدت من ذلك مثلا: أصبح الحجر ذو استعمال محدود جدا لأنه مادة للكسوة والزخرف المنحوت أما الجص المنقوش بأداة حديدية والمسمى نقش الحديدة أو المقولب أحيانا فهو يغطي الجدران الداخلية والخارجية في مُصليات المساجد كما في أفنية المدارس، ويؤلف القباب ذات المقرنصات والجص الداخلي الملون بألوان مبسطة[56]. لكن أهم ملاحظة تسجل بالنسبة للعمارة الدينية على عهد بني مرين هو زيادة عمق بيت الصلاة على طول جدار القبلة. من جهة أخرى نلاحظ اهتمامهم ببلاط المحراب وهو البلاط المحوري بدليل استئثاره بالزخرفة وبوضع قبتين الأولى عند بدايته أمام المحراب والثانية عند نهايته بالواجهة المطلة على الصحن، بعد أن كان الموحدون يعنون بأسكوب المحراب عمارة وزخرفة واتساعا عن عمق بيت الصلاة، ووضع ثلاث قباب أو أكثر على أسكوب المحراب كما هو واضح في الكتبية وغيرها من مساجد الموحدين[57].

إن الجامع الكبير في تازة وكذلك مسجـد أبي يعقوب المريني في وجدة يحتفظان أحيانـا بتلك الفخامـة التي يتسم بها الفن الموحدي، ولكنهما يضيفان رقة الأشكـال وتشعب الرسوم وتداخـل التسطيرات والتوريقات والمقربصات والزليجـات، ويلاحظ في المدرسة العنانية بفاس تشابه واضح في الهندسة والترخيم مع مدارس الشرق. وهذه المدرسة هي مدرسـة ومسجد في آن واحد مجهزة بمنارة ومنبر للجمعـة ذات ثلاث عشرة مع الطوس ( شعار كل ساعة فيها أن تسقط ضجة في طاس وتفتح طاقات) .ومن خواص الفن المريني النقش على الخشب والأدهان البديعـة والشماسيات الملونة والنحاس المموه وترصيع المنارات بالزليج.

 تشترك مساجد المرينيين في بناء الأكتاف بالآجر والحوائط ب"التابية" التي تسعف رغبتهم المتزايدة في كثرة البناء والتشييد بالسرعة الممكنة والاقتصاد في النفقة والوقت غير أن اهتمام بني مرين كان على العكس من الموحدين مركزا ببلاط المحراب الذي تجمعت فيه أهم زخارفهم كما أقاموا على البلاط المحوري نفسه العمودي على القبلة قبتين واحدة أمام المحراب والأخرى على نهاية البلاط من جهة الصحن، بعد أن كان الموحدون يقيمون ثلاث قباب أو أكثر على أسكوب المحراب[58]. ويمزج الفن المريني بين الضوء والظل في تشكيلات رائعة تشكل سمفونية تضاف إلى مهرجان الألوان.

قصارى القول يمكن إجمال أهم الخصائص الزخرفية المعمارية خلال العهد المريني بأن منشآتها كانت متواضعة المساحة ضئيلة الحجم نسبيا، فلزم تعويض ذلك بانتشار الزخرفة المعمارية انتشارا يغطي جميع السطوح في الحوائط والسواري والعقود والعقود والأسقف، وعلى خلاف خطوط عناصر الزخرفة الكبيرة أصبحت خطوط الزخرفة المرينية دقيقة رقيقة متداخلة منتشرة على جميع أرضية لمساحة الزخرفية بحيث لايمكن تمييزها وفرزها إلا عن قرب وقد اكتسبت تنوعا في الألوان يضع انسجاما عاما لجميع العناصر والوحدات الزخرفية. عموما كان المرينيون أحسن مثال للنقل عن فن الاندلس الأصيل بعد أن بلغ ذروته في عصر بني الأحمر[59]، والذي نلتمس فيه ازدواجية الطابع الأندلسي والمغربي في شكل جديد كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

 

خلاصة.

تأسيسا على ماسبق يتضح أن التفاعل الحضاري والتلاقح الثقافي امتد بين المغرب والاندلس لقرون عديدة امتزجت فيها المقومات الحضارية خاصة في مجال المعمار الذي كان تعبيرا عن قوة الدولة وسيادتها، خلف لنا شواهد معمارية لازالت دالة على هذا التواصل والتفاعل، فالمؤثرات الأندلسية وجدت في المغرب أرضية خصبة وعقلية قابلة للتطور والتجديد، فلم يقتصر الأمر على التقليد فقط وإنما امتد للتفاعل، وتراكم الخبرات والتجارب، لدرجة أصبحت الثقافة الـأندلسية رافدا من روافد الثقافة والهوية المحلية والتي انصهرت مع باقي المكونات الأخرى لتشكل الشخصية المغربية. بحيث لاتخلو مدينة مغربية من آثار وشواهد حضارية اندلسية تؤرخ لهذا التواجد الحضاري وأسهمت في صياغة جزء مهم من تاريخ المغرب الأقصى ففي مدينة فاس كما في الرباط وتطوان ومراكش نجد القصبات والأبنية والأفنية والنافورات والصوامع والأضرحة والحدائق تشبه إلى حد بعيد مثيلاتها في الأندلس في ألميرية وقرطبة وطليطلة في طريقة البناء والمواد المستعملة.

 

لذا وجب الاهتمام بهذا الموروث الحضاري وإيلائه المكانة والعناية التي يستحقها باعتباره تراث لامادي وثروة ليست وطنية فقط بل كونية، يمكن استغلالها في المجالات السياسية والاقتصادية والخدماتية والثقافية.

 

كان ذلك لمحة عن الفن المعماري المغربي في مراحله المؤسسة لمدرسة مغربية في فن العمارة تنهل من المؤثرات الحضارية المختلفة خاصة الأندلسية، علاوة على المؤثرات الأصيلة التي انبثقت من صلب المجتمع المغربي كنموذج "إغرم" . كما تطورت المدرسة خلال عصر العلويين، لتظهر عناصر معمارية جديدة خلال الحماية الفرنسية وبعدها وهو ما سنفرد له مقالا آخر للحديث عن التطور الذي شمل ميدان التعمير خلال مرحلة عصيبة من تاريخ البلاد.

 

 

[1]- اسماعيل عثمان عثمان، تاريخ العمارة الاسلامية والفنون التطبيقية بالمغرب الأقصى، ج1، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، 1993 ص 42.

[2]- جورج مارسيه، الفن الاسلامي، ترجمة عفيف بهنسي منشورات وزارة الثقافة والسياحة والارشاد القومي، دمشق، 1968، ص 137.

[3]- نذكر على سبيل الاستئناس، علي الجزنائي، جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس. تحقيق، عبد الوهاب بن منصور الناشر، المطبعة الملكية -الرباط الطبعة الثانية. 1411هـ /1991م

– علي بن عبد الله ابن ابي زرع الفاسي، الأنيس المطرب روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينه فاس، صور للطباعة والوراقة. الرباط 1972.

[4] – اسماعيل عثمان عثمان، مرجع سابق، ص 211

[5] – اندريه بكار، المغرب والحرف التقليدية الاسلامية في العمارة، ترجمة جرجس سامي، المجلد 2 باريس 1981، ص 31 .

[6] نفسه، ص32

[7] – اسماعيل عثمان عثمان، ج 1 م س، ص 246

[8]- حسن علي حسن، الحضارة الاسلامية في المغرب والأندلس، مكتبة الخانجي القاهرة ط1 1980، ص 374

[9]- عن ظروف تأسيس مدينة فاس انظر علي سبيل المثال: الجزنائي، جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس. تحقيق، عبد الوهاب بن منصور الناشر، المطبعة الملكية -الرباط الطبعة الثانية. 1411هـ /1991م

– علي بن عبد الله ابن ابي زرع الفاسي، الانيس المطرب روض القرطاس في اخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينه فاس، صور للطباعة والوراقة. الرباط 1972.

[10]- علي بن عبد الله ابن ابي زرع الفاسي، م س، ص75.

[11]- عبد العزيز بن عبد الله، "الأندلس والمغرب وحدة أم تكامل " مجلة المناهل، عدد31 سنة 11 1984، ص 79

[12] نفسه، ص 45

[13]- عبد الهادي التازي، جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، المجلد الأول ط1 ، 1972 ص 42

[14]- اسماعيل عثمان عثمان، م، س ص 297

[15]- الألفي أبو صالح، الفن الاسلامي أصوله فلسفته مدارسه ، دار المعارف مصر، 1969، ص 218

[16]- دعوة الحق، ص 104

[17] مؤلف مجهول، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تحقيق سهيل زكار وعبد القادر زمامة دار الرشاد الحديثة 1979 ص 38

[18]- حسن علي حسن، مرجع سابق، ص 375

[19]- ابراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ ، الناشر، دار الرشاد الحديثة ، سنة الطبع، 1420 هـ – 2000 ص 240.

[20]- الجزنائي، م س ص 41-42

[21]- ابن أبي زرع، روض القرطاس… م. س ص 44

[22] -عبد الهادي التازي، جامع القرويين، م، س ص 67

[23]-الجزنائي، م ن س ص 58

[24] نفسه ص 58.

[25]- عثمان عثمان م ، س ص 163

[26]- جورج مارسي، الفن الاسلامي ، م س ص 144-146

[27] نفسه ص 146

[28] Terrasse , L’art décoratif … op.,cit. p 113

[29]- جورج مارسي، الفن الاسلامي، م ، س ص 147

[30] – مارسي جورج، الفن الاسلامي م، س ، ص 147

[31] – Terrasse, op,.cit . p. 104

[32]- مارسي جورج، الفن الاسلامي، م، س ، ص 153

[33]- عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، م، س، ص 764

[34]- ابراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، م، ص 244

[35]- عثمان عثمان، م س، ج3 ص 100

[36] مارسي جورج، الفن الاسلامي، م، س ، ص 305

[37]- عبد العزيز بنعبد الله، "جوامع المغرب ومساجده"، مجلة دعوة الحق، العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

[38] عثمان عثمان، م س، ج3 ص 100

[39]- ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، تحقيق عبد الهادي التازي نشر دار الغرب الاسلامي الطبعة 3 1987م ص 67

[40]- الحلل الموشية، م س ص144

[41] – عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، م س ص 736.

[42] – مارسي جورج، الفن الاسلامي، م، س ، ص 153

[43] – نفسه، ص 154.

[44] – أرنست كونل، الفن الاسلامي، م س ، ص 141.

[45] – مارسي جورج، م، س ، ص 157.

[46] – حسن علي حسن، م، س ص، 105.

[47] – حسن السايح، م،س، ص، 193.

[48] – السايح حسن، م س، ص 265

[49] عبد العزيز بن عبد الله ، الفن المعماري بالمغرب والأندلس ، الأخذ والعطاء ، المناهل، ص 308

[50] – نفسه ص 309

[51] – السايح حسن، م ، س ص 142

[52]- مارسي جورج، الفن الاسلامي، م، س ، ص 157

[53]- نفسه ص 210

[54]- حول ظروف بناء هذه المساجد ينظر عثمان عثمان م، س، ج 5

[55]- أسسها السلطان أبو عنان المريني ما بين 1350-1355م

[56]- مارسي جورج، الفن الاسلامي، م، س ، ص 220

[57]- عثمان عثمان م، س، ج 5 ص 279

[58] نفسه، ص 281

[59] – ابراهيم حركات، "العمران وفن البناء في عهد بني مرين"، مجلة دعوة الحق، عدد 6 سنة 7 ، 1964، ص 41.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل

محمود زكي أصل كلمة (التراث) في اللُّغة من مادة (ورث)، التي تدور معانيها حولَ حصول المتأخِّر على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *