الرئيسية / آراء و مواقف / فلسفة الحب والجمال في الفكر والأدب ( دراسة نظرية تطبيقية)الجزء (1)

فلسفة الحب والجمال في الفكر والأدب ( دراسة نظرية تطبيقية)الجزء (1)

 

د. رامز محيي الدين علي – الشارقة – الإمارات 

 

المقدمة 

الفكرِ والأدب، سواء كانت لغویّةً أم أدبیّة أم فلسفیّة أم نفسیّة أم مفھموماً عالمیّا عامّاً.. بدایةً لا بدّ لي من الوقوف على ماھیةِ الحبِّ والجمال ومفھومِھما في شتّى میادین ،لأنّ ھذین الموضوعینِ من أكثرِ الموضوعات التي شغلت حیِّزاً كبیراً من الخیالِ والفكر الإنسانيِّ العامّ في كلّ مراحلِ التّطوّرِ الإنسانيِّ منذ بدایةِ فجر التّاریخِ إلى وقتِنا الحاضر؛ وكان لھما آلھةٌ تعبّدت في محاریبِھا شعوبُ الحضاراتِ القدیمة، كما نرى ذلك عند السّومریّینَ والكنعانیّین والإغریقِ والرّومانِ والعرب وغیرِھم، كالإلھةِ (نمو) و(إنانا)  

عند السّومریّین، والإلھةِ (منخور سانجا) سیّدةِ الجبل وھي كُبرى الإلھاتِ وكان لھا معبدٌ في بابل، والإلھةِ (عشتار) عند الكنعانیّین إلھةِ الحبِّ والجمالِ والخصب، و(أفرودیت )  العربِ. ٱلھةِ الحبّ والجمالِ عند الإغریقِ و(فینوس) عند الرّومانِ، و(اللاّت والعزّى) .

وفي الحضاراتِ الحدیثة أصبحت قوّةُ السّطوةِ والمال والتّكنولوجیا المدمّرةِ ٱلھةَ الحبِّ والجمال في أبھى صورِھا، تستعرضُ مفاتنَھا في قممِ الدّولِ الصّناعیّةِ العظمى  كونِھا الطّبیعيِّ. التي تسحقُ بأقدامِھا الھمجیّة كلَّ رموز الجمالِ الإنسانيِّ الذي حباه الخالقُ مخلوقاتِه .

كما حلّت في عصرِنا الحدیثِ معارضُ الجمال الإیروسيّ مكانَ معابدِ الجمالِ في الحضاراتِ القدیمة، وصار التّعبُّدُ عن بعدٍ، وأضحى المالُ وسیلةً من وسائلِ العبادة  للوصولِ إلى أفئدةِ آلھاتِ الحبِّ والجمال الذي أُقیمتْ لھ المحافلُ الدّولیّة، واختُرعت من  أجلِه أحدثُ المقاییسِ التّقنیّة؛ لإبرازِ سحر المفاتنِ بطرقٍ استعراضیّة تستنطقُ العمیانَ  والخرسانَ والصُّمَّ والبُكمَ! 

 

وبعد أن أستجليَ مفاھیمَ الحبِّ والجمال في الفكرِ الإنسانيِّ بشكلٍ واضح، أستطیعُ أن أضعَ مرآةَ فكري في ربوعِ قصائد بعضِ الشعراء وحدائقِ الكتّابِ وبساتینِ المفكِّرین  والحكماءِ وما أنتجَتْھ قرائحُھم من وحيِ الحبِّ والغرام، وما أبدعتْھ سجیَّتُھم من صورِ  عتباتِ الجمال المقدَّسةِ بكلِّ معانیھا؛ وعندھا تكونُ ریشةُ یراعتي قادرةً على التّصویرِ  والتّحلیل، ورسمِ الملامحِ المتشابھة، وإبرازِ المعالمِ المختلفةِ بین شتّى الأدباءِ  والمفكّرینَ باختلافِ الأزمنةِ وتنوُّع الأمكنةِ، وتباینِ البیئاتِ المحیطةِ بھم، وتباعدِ  

الخلفیّاتِ المرجعیّةِ لكلٍّ منھم!

وقد رأیتُ من المنھجِ المنطقيِّ أن أقسِّمَ دراستي إلى أربعةِ فصولٍ، یتمحورُ فیھا الفصلانِ الأوّلُ والثّاني في دراسةٍ نظریّةٍ، بینَما یتمركزُ الفصلانِ الثّالثُ والرّابعُ حول  دراسةٍ تطبیقیّةٍ تحلیلیّةٍ لنماذجَ أدبیّةٍ وفكریّةٍ في الأدبینِ العربيِّ والغربيِّ. 

یتناولُ الفصلُ الأوّلُ منھا دراسةَ فلسفةِ الحبِّ دراسةً نظریَّةً تقفُ على مفھومِ الحبِّ لغةً واصطلاحاً في علمِ النّفسِ وعند الفلاسفةِ الغربیّین وكذلك عند الأدباءِ  

والفلاسفةِ العربِ، وبعدَھا أقفُ على درجاتِ الحبِّ عند الغربیّین والعربِ، ومن ثمَّ أعرّجُ على أنواعِ الحبِّ في الفكرِ الغربيِّ؛ لأربطَھا بما یماثلُھا في الفكرِ الإسلاميِّ. 

ویتناولُ الفصلُ الثّاني منھا- دراسةً نظریّةً أیضاً- فلسفةَ الجمالِ لغةً واصطلاحاً عند المفكّرینَ وأساطینِ الفلسفةِ الغربیّةِ والإسلامیّةِ، كما أقفُ عند أصنافِ الجمالِ، ثمّ أعرّجُ  على أھمیّةِ وجودِ الجمالیَّاتِ الطّبیعیّةِ؛ لأربطَھا بما وردَ منھا في الفكرِ الإسلاميِّ  

والغربيِّ، من خلالِ صلةِ الجمالِ بالخیرِ وتحقیقِ المثلِ الأعلى.

أمّا الفصلُ الثّالثُ فسوف یقومُ بدراسةٍ تطبیقیّةٍ تحلیلیّةٍ لنماذجَ من الأدبِ والفكر العربيِّ والغربيِّ في موضوعِ الحبِّ وأنواعِھ، حیثُ أختارُ أجملَ ما تتذوَّقُه قریحتي، مُبرِزاً  القیمَ الأدبیّةَ والفنّیةَ والتّعبیریّةَ في كلِّ ما أعرِضُھ من نماذجَ مختارةٍ من مختلفِ أنواعِ  

الفكرِ والأدبِ.

وأمّا الفصلُ الرّابعُ فسوف یتناولُ كذلك دراسةً تطبیقیّةً تحلیلیّةً لنماذجَ من الأدبِ والفكرِ العربيِّ والغربيِّ في بحثِ الجمالِ وأنواعِھ، إذ أقومُ بإیرادِ نماذجَ نثریّةٍ وشعریّةٍ  في میدانَي الفكرِ والأدبِ من عیونِ الأدبینِ العربيِّ والغربيِّ. 

الفصلُ الأوَّلُ- فلسفةُ الحُبِّ:

مدخل 

یُمكنُ تعریفُ الحبِّ بشكلٍ عامّ على أنّھ حالةٌ تنشأُ نتیجةَ الشّعورِ بالإعجابِ بشخصٍ ما، أو الانجذابِ إلى شيءٍ ما، وقد فسّرَه الكثیرُ من العلماءِ على أنّھ كیمیاءُ  مشتركةٌ بین شخصینِ، وقدیماً قالتِ العربُ:"حبُّكَ الشّيءَ یُعمِي ویُصِمُّ"، وذلك لأنّ الحبَّ  

طاقةٌ إیجابیّةٌ تَعمى عن المثالبِ والنّقائصِ، وتَشِیدُ في عالمِھا مدناً من الجمالِ المثاليِّ، وترسمُ في الخیالِ عالماً مثالیّاً یتجاوزُ آفاقَ الزّمانِ والمكانِ في عالمِ الواقع.

وللحبِّ تعریفاتٌ عدیدةٌ، إذ یمكنُ لكلِّ شخصٍ منّا أن یعرّفَ الحبَّ تبعاً للمرحلةِ العمریّةِ التي یمرُّ بھا، وتبعاً للطّریقةِ التي تعلَّم الحبَّ من خلالِھا، ومھما تعدّدتْ تعریفاتُ  الحبِّ، فإنّ معظمَھا صحیحٌ، فالحبُّ ھو انجذابُ الأشخاصِ بعضِھم لبعضٍ، وھو أن یشعرَ  

المرءُ بانجذابِھ وإعجابِھ بشخصٍ ما أو بشيٍ ما. ویمكنُنا أن نعرّفَ الحبَّ على أنّھ شعورٌ عاطفيٌّ بین الأشخاصِ، وھو ما یعبّرُ عن قمّةِ العطاء وعمقِھ من شخصٍ تجاهَ شخصٍ  آخرَ، كما إنّ الحبَّ یعبّرُ عن المودّةِ العمیقةِ والمشاعرِ الدّافئةِ التي تنتجُ عن تعلُّقِ  

شخصٍ بآخرَ، كتعلُّقِ الطّفلِ بوالدیھِ، أو تعلُّقِ الفردِ بأصدقائِھ، كما یمكنُ التّعبیرُ عن الحبِّ بأنّه العلاقةُ الغرامیّةُ والعاطفیّةُ، والرّغبةُ الجنسیّةُ بین الأفرادِ، وجاء تعریفُ الحبِّ  في معجمِ (ویبستر) بأنّھ ظاھرةٌ من الظّواھرِ الإنسانیّةِ رفیعةِ المستوى التي تتأصّلُ في  نفوسِ البشرِ، وھي عواطفُ وجدانیّةٌ نابعةٌ من العقلِ. 

1-الحب في اللغة 

وفي اللّغةِ فقد تمّ تعریفُ الحبِّ على أنّھ كلُّ معنىً یحملُ في جوھرِه الغرامَ والمحبّة، ولم یُحسَمْ أصلُ أو اشتقاقُ كلمةِ (الحُبّ) لغویّاً. فھناك من یقولُ بأنّ الحبَّ "مأخوذٌ من  الحِبّةِ -بكسرِ الحاء- وھي بذورُ الصّحراءِ، فسُمّي الحُبُّ حبّاً؛ لأنّھ لبابُ الحیاةِ كما الحَبُّ  لبابُ النّباتِ". وفي روایةٍ أخرى، یُقالُ بأنّ "الحُبَّ" جاء من كلمةِ "حُبَاب" والحُبابُ ھو  الذي یعلُو المیاهَ عند شدّةِ المطر. بمعنى أنّ غلیانَ القلبِ وخفقانَھ عند الاضطرامِ  والاھتیاجِ إلى لقاءِ المحبوبِ یُشبھُ الحُبابَ. والحُبُّ: (اسمٌ) والجمعُ: أَحبابٌ، و حِبَبَةٌ،  وحِبابٌ، وھي مصدرُ حَبَّ یحبُّ حُباً، ویُقال: یُكِنُّ لَھُ حُبّاً عَمیقاً: مَحَبَّةً، ولھ أنواعٌ، منھا:  

o حُبُّ الذَّاتِ: تَقْدیمُ الذَّاتِ وَتَعْظِیمُھا، الأَنانِیَّةُ.

o حُبُّ الاِسْتِطْلاعِ: الْمَیْلُ إلى مَعْرِفَةِ الأشْیاءِ والاِطِّلاعِ عَلَیْھا.

o الحُبُّ الإِلَھِيُّ: حالَةٌ مِنَ حالاتِ التَّصَوُّفِ تُحَرِّكُھا رَغْبَةٌ عَمیقَةٌ في المَعْرِفَةِ .

o الحُبُّ العُذْرِيُّ: التَّعَلُّقُ الطَّاھِرُ والعَفیفُ بِالْمَرْأَةِ عِشْقاً وَوَلَھاً. الذَّاتِ الإِلَھِیَّةِ.

o حُبّاً وَكَرامَةً: مِنَ العِباراتِ الْمُتَداوَلَةِ لِلتَّعْبِیرِ عَنِ التَّرْحیبِ.

o حُبّاً لَه: بِدافِعٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ.

o الحُبُّ: الوِدَادُ.

o الحُبُّ (عند الفلاسفة): میْلٌ إِلى الأشخاص أو الأشیاءِ العزیزةِ، أو الجذَّابةِ،

o الحُبُّ: وعاءُ الماءِ كالزِّیرِ والجرَّة. أَو النّافعةِ.

o حُبُّ التَّسلُّط: الرّغبةُ في التّسلُّط.

o حُبُّ الظُّھور: التَّباھي، رغبةُ الإنسانِ في الكشفِ عن صفاتِھ ومزایاهُ وفي

عرضِ ما یَلفتُ الأنظارَ إلیه.

o عُقدةُ الحُبِّ الصَّادق: الرِّباطُ الذي یدلُّ على استمراریّةِ العھدِ بین المحبِّین.

2 -الحب في علم النفس

أمّا من وجھةِ نظر علماءِ النّفسِ، فالحبُّ ھو كلُّ إحساسٍ جمیلٍ یشعرُ به الإنسانُ، ویتركُ أثراً إیجابیّاً معیّناً في أصحابِه، ویمكّنُھم من البقاء على قیدِ الحیاة بصورةٍ أفضلَ من السّابقِ، وقد أعطى علمُ النّفسِ العدیدَ من الأمثلةِ لتوضیحِ معنى الحبِّ بشكلٍ أفضلَ،  كحبِّ الوالدینِ لأطفالِھما والحبُّ بین الزَّوجین.. 

وقد عرّفَ علماءُ النّفسِ الحُبَّ على أنّه شعورٌ فسیولوجيٌّ یؤثِّرُ على سلوكِ المُحبِّ إیجاباً أو سلْباً، ویسیطرُ على أعضائِھ وحواسِّھ، أمّا (فروید) فیقسِّمُ الحُبَّ إلى نوعینِ: 

الحبُّ النّرجسيُّ: وھو أن یحبَّ الإنسانُ ذاتَھ، ویتعلَّقَ بھا، ویبحثُ عمّن یشبھُھا ویحقّقُ الحبُّ الموضوعيُّ: وھو أن یُحبَّ الإنسانُ شخصاً أو شیئاً لیس لھ علاقةٌ بذاتِه ولا یكون  شعورُه مبنیّاً على مصالحَ شخصیّةٍ؛ فالشَّخصُ ھنا من وجھةِ نظرِ (فروید) یسعى للتّكاملِ  مع المحبوبِ. 

3- الحب عند الفلاسفة 

یمكنُ تفسیرُ الحبِّ في أغلبِ المعاجمِ الفلسفیّةِ على أنّھ نوعٌ من العاطفةِ الجاذبةِ لشخصٍ ما نحو شخصٍ من الجنسِ الآخرِ، وبھذا فھي تحملُ معنىً خاصّاً مصدرُه  الشَّخصُ الأوّل. إضافةً لھذا فإنّ المیلَ الجنسيَّ یُعتبرُ نوعاً من اللّذةِ التي تَنشُطُ نتیجةَ  

الحبِّ، وتكون ھذه اللَّذّةُ مادیّةً أو معنویّةً، وبمعنىً آخرَ فالحبُّ فلسفیّاً یعني المیلَ إلى شيءٍ حقیقيٍّ أو محسوسٍ، فھو شيءٌ لا یُمكنُ إدراكُھ بالعقلِ أو شرحُھ بالمنطقِ، والحُبُّ الشّيءِ أو الأمرِ السَّارِّ، بھدفِ إرضاءِ غایاتٍ روحیّةً أو مادیّةً. والحُبُّ كلمةٌ غیرُ مرتبطةٍ  

ھو ما یجعلُ الإنسانَ یَظھرُ بشخصیّتِھ الحقیقیّةِ. وقد بدأتْ فلسفةُ الحُبِّ عند الإغریقِ، حینما كانوا یَرون أنّ الحُبَّ ھو من الدَّعاماتِ الأساسیّةِ للفلسفةِ، وشرعُوا في بناء  النّظریّاتِ المُتعدِّدة التي طوّرتِ الحُبَّ من مفھومِھ الماديِّ إلى مفھومِه الرّوحيِّ في أسمى  

سِماتِه، مع النّظرِ إلى الحُبِّ على أنّھ صفةٌ أساسیّةٌ وجینیّةٌ تظھر آثارُھا في سلوكِ الكائناتِ الحیّة.  

یرى (أفلاطون) أنَّ الحُبَّ سلسلةٌ من المشاعرِ والأحاسیسِ التي تسیطرُ علیھا الرَّغبةُ الحیوانیّةُ، ووصف الشّخصَ الباحثَ عن الحُبِّ بأنّھ نصفٌ یبحثُ عن نصفِه. 

الآخرِ، كما رأى أنّ الحُبَّ ما ھو إلاّ وسیلةٌ للخلاص؛ فھو الطّریقُ نحو التّحرُّرِ الفكريِّ

والعاطفيِّ الذي یقودُ الإنسانَ إلى حُریّتِھ.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

الأدوية الذاتية … العلاج بالضحك

د.حسن العاصي- الدنمارك     يصرف البشر الكثير من الأموال في سعيهم للحصول على قسط من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *