الرئيسية / إشارات ملونة / تكلم عطرا أو تجمل صمتا

تكلم عطرا أو تجمل صمتا

رضا الجنيدي 

مرَّ أحدُهم على صحراء جدباء، فنظر إليها نظرات ازدراء، وتمتم بكلمات سوداء ثم مضى، اخترق سهمُ نظراته وخنجرُ كلماته قلبَ هذه الصحراء؛ فأُصيبت في مقتل، وبدأت تظهر عليها علامات الاحتضار، شعرت بأنها في الرمق الأخير من حياتها، وبينما هي على هذا الحال إذا بعابر لطيف يمرُّ عليها، فيقف على أعتاب أرضها ليتأمَّلها.

 

أعجبه رملها الذهبي، وهواؤها النقي، أدرك بخبرته أن في باطنها كنوزًا هائلةً تنتظر أن يستخرجها شخص ذكي، رأى فيها ما لم يلحظه غيرُه، فأخرج بعض ما معه مِن ماء، وسقى به مِن أرضها ما استطاع، ودعا لها بالبركة وهو يبتسم ثم مضى.

 

عانقت ابتسامتُه وكلماتُه قلبَها الجريح، فنبض في هذا القلب نبضُ الحياة من جديد، انتعشت خلاياها، وازدهرت أوصالها، أما تلك البذرة المختبئة في أعماقها التي لم تكن ترى جدوى لحياتها، ولا قيمةً لوجودها، فقد تشرَّبَتْ بالأمل وتعطَّرت بعطر الإرادة، فاخترقت الأرض بقوة، ثم إذا بنفس هذه البقعة الْمُجدبة قد طرحت بعد حين نخلةً مُثمرةً، كلُّ ما فيها يجود بالخير على مَنْ حولها، ظلها وثمرها وورقها وساقها.

 

بدَّل حالها بإيجابياته التي لم تُكلِّفه سوى القليل، فهل بدَّلت أنت حال بعض من حولك مِن سيِّئ لجميل؟ هل مررت على بعض الشخصيات التي تظنُّ نفسها صحراء قاحلة، فمنحتَها مِن عطر كلماتك الطيبة، فحوَّلت بعض أرجائها إلى واحة مُزهرة؟

 

تُرى كم من إنسان كان يرى نفسه بلا قيمة في الحياة، فإذا بكلماتك الداعمة تُعيد تشكيل نظرته إلى ذاته، وإذا بتقديرك ودعمك له يُعيد الرُّوح إلى حياته، فأصبح بسبب كلماتك متفائلًا؛ بل ربما أصبح بمرور الوقت لغيره داعمًا، أمَّا بذرته التي كانت منكمشة في الخفاء، التي كانت تتوارى على استحياء، فقد خلعت ثوب تردُّدها، وارتدَتْ ثوبَ الثقة، فأخذت تشقُّ طريقها في الحياة حتى صارت نخلةً باسقةً؟

 

هل فعلت ذلك مِن قبلُ مع بعضهم، أم أنك ممَّن يقذفون رصاصات كلماتهم القاتلة في نفوس مَن حولهم؛ فيقضون على ما تبقَّى لديهم مِن أنفاس الحياة اليائسة؟

 

إن كنت من هؤلاء فانتبه، فكما قيل: "بعض الكلمات نور، وبعض الكلمات قبور"؛ فلا تجعل كلماتك قبرًا لأحدهم، وكن كساقي الماء الجواد، يفيض بمائه على كل من يراه، وتصدَّق بجميل ابتساماتك وعَذْب كلماتك، فهكذا هم أصحاب القلوب العامرة، ابتساماتهم وكلماتهم الطيبة عبادة، إيجابياتهم ودعمهم لمن حولهم عبادة، ومحال أن يكون قبح اللسان أو قسوة النظرات لديهم عادة؛ بل إن السعادة في حياة مَنْ حولهم صارت بسببهم في زيادة؛ فكن منهم وابتسم دومًا للصحاري، وحاول أن تلمح كنوزها بعين بصيرتك، وتساعدها على إخراجها بإيجابيتك.

 

ادعمها قدر استطاعتك، واروِها بكلامك الطيب، وإن لم يكن لديك ما تروي به ظمأها، فتجمَّل بالصمت ولا تحقر مِن شأنها.

 

كن جميلًا، وقل خيرًا، واجعل كلامك عِطْرًا، فإن لم تستطع، فكفَّ آذاك عمَّن حولك، وتجمَّل صمتًا، فبعض الصمت عبادة، وتذكَّر قول نبيك صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُلْ خيرًا أو ليصمُت)).

 

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

أدب الكوارث

  بقلم أذ : إبراهبم مشارة- الجزائر  الطواعين والأوبئة سنة طبيعية من سنن الحياة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *