الرئيسية / نفحات إيمانية / مدرسة رمضان والتغيير

مدرسة رمضان والتغيير

جعل الله – تعالى – تعاقب الأيام، وتقلب الأزمان، آية ليتوقف المسلم عند بعض مناسباتها، متأملا في مسار حياته، ونتاج أعماله، هل حصل التغيير الذي كان ينشده، والفوز الذي كان يأمله، أم إنها حياة عددية، يعد فيها الأيام والليالي، ويراكم فيها ما يحاسب عليه في يوم تشخص فيه القلوب والأبصار، دون أن يعد لهذا اليوم عدته، ويعمل فيه بما يضمن منجاته؟ قال الحسن البصري – رحمه الله -:"إن العبـد لا يـزال بـخير مـا كـان لـه واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

إن رمضان – الذي مضى اليوم ثلثه -، من أعظم المناسبات تأثيرا في حياة المسلم، فيه المفلحون الرابحون، وفيه الخاسرون النادمون المبطلون.قال الحسن البصري – رحمه الله -: "إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا. فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون".

فالناس في رمضان ما بين مجتهد في أعمال البر والنجاح، وجاعل أيامه كسائر الأيام، عادةً من عادات الديانة، وتقليدا من تقاليد الأجداد المتعاقبة. قال جابر بن عبد الله – رضي الله عنه -: "وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

سافرت مع الصيام ثلاثين يوما، فماذا كانت النتيجة، أترضى أن ترجع من رحلتك صفر اليدين، خاوي الوفاض، تعبا من الجوع والعطش، أم إن هدف التغيير كان هجيراك، والسمو بالنفس كان مبتغاك؟ وهو أن تكون من العتقاء من النار. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: "وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ"، قالها بعد مقدمة تكون سبب هذا التغيير، وذلك أن مناديا ينادي: "يَا بَاغِىَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ" صحيح سنن ابن ماجة. فإن لم يكن هذا الهدف من صيامك فلا حاجة لله في قطع طعامك وشرابك. كان عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – إذا انقضى رمضان يقول: "من هذا المقبول منا فنهنيه؟ ومن المحروم منا فنعزيه؟".

ومن أعظم التغيير الذي يستوجب هذه المرتبة الإيمانية العلية، أن تصوم – مع البطن – الجوارحُ، فلا ينطق اللسان إلا بالخير، بل لا يلهج إلا بذكر الله، مع تحفظ السمع أن يسمع ما لا يرضي الله، وتحفظ البصر أن يقع على ما يغضب الله. يقول سيدنا جابر – مرة أخرى -: "إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمأثم".

ولما فطن السلف الصالح إلى منغصات الصوم التي يجلبها الاحتكاك بالناس، هرعوا إلى المساجد، لينشغلوا بالآخرة عن الدنيا. قال أبو المتوكل: "كان أبو هريرة – رضي الله عنه – وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد حتى يحفظوا سمعهم، وبصرهم، وجوارحهم عن كل ما حرم الله". وكانت تلك وصاية السلف.

 قال الإمام أحمد: "ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، لا يماري… كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب الناس.

 قال أبو ذر – رضي الله عنه -: "إذا صمت، فتحفظ ما استطعت".

 وقال ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف": "وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي". يقول هذا وهو ابن القرن الثامن الهجري، فكيف بزماننا؟.

إن بعض الناس جعلوا ترك الطعام والشراب غاية نهار الصيام، فإذا جن عليهم الليل انقلبوا إلى حياة الملذات، حياة السهر على برامج التلفاز الذي قد يقتنى خصيصا للاستمتاع بفوازير رمضان، وفكاهة رمضان، ومسلسلات رمضان، ولقد أخطأوا أيما خطأ، وأفلتوا فرصة التوبة والأوبة، وضيعوا زمنا هو من أعظم الأزمنة. قال بعض الصالحين: "أهون الصيام: ترك الشراب والطعام"، فهذا أمر مقدور عليه، ولكن، هل علمك رمضان ضبط إيقاعات نفسك، بحيث تمكنت من لجمها عن الموبقات، وحجبها عن المحرمات، وحجزها عن المثيرات المستفزات؟. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -:"ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابَّك أحد أو جهل عليك، فقل: إني صائم، إني صائم" صحيح الترغيب.

فعلام – إذن – يرتفع – في رمضان في بلد مجاور – عدد قضايا الاعتداءات، والضرب، والجرح العمدي، الناتجة عن المشاجرات؟ ويرتفع عدد قضايا المخدرات، والسرقة، والاعتداءات بواسطة الأسلحة البيضاء، والسطو على المنازل؟، حتى إن بعض المحامين اضطروا لفتح مكاتبهم ليلا، بحكم ارتفاع نسبة الجرائم. ولماذا – في بلد متحفظ جدا – يرتفع عدد قضايا معاكسة الرجال للفتيات في ليالي رمضان، بسبب الاحتكاك في الأسواق؟ ولماذا – في بلد عربي آخر – تتضاعف النفقة في رمضان ثلاثة أضعاف عن غيره من الشهور، مما يؤدي إلى نزاعات زوجية حول توفير مصروفات رمضان، ينتج عنها كثرة التوارد على المحاكم لإنهاء العلاقة الزوجية؟.

فهل مدرسة رمضان تعلمنا الاجتماع، أم تدفعنا إلى التشرذم والافتراق؟ هل مدرسة رمضان تعلمنا الاقتصاد وترشيد النفقات، أم تشجعنا على الإسراف والمغالاة في المشتريات، ما نحتاجه، وما لا نحتاجه، حتى صار عمال النظافة – في بعض البلاد الأخرى ـ يشتكون من زيادة 4000 طن من النفايات في رمضان، استوجبت استنفار المسؤولين لإحداث فرق التدخل السريع لتنظيف الشوارع والأزقة؟ وكأن البطنة غاية رمضان.

 ذكر ابن عبد البر وغيره أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – خطب يوماً فقال: "إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنها مُفسدة للجسد، مُوَرثة للسقم، مُكسلة عن الصلاة. وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أصلح للجسد، وأبعد عن السرَف. وإن امرءً لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه".

 وقال سلمة بن سعيد: "إنْ كان الرجلُ لَيُعيَّر بالبِطنة، كما يُعير بالذنب يَعمَلُهُ".

قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

وهل مدرسة رمضان تعلمنا الصبر والحلم، أم هي سبب للقلق والغضب، والنطق بسفيه الكلام، ووضيع الشتائم والسباب؟.

كم ضاع من خير، وأجر، وفضل بسبب قلة الحلم وسرعة الغضب؟ كم جر الغضب والتشنج على الأسر من المصائب، والهلاك؟ كم من الأرحام قطعت، ومن الزوجات طلقت، ومن الأطفال شردت، بسبب طيش العقول المتجبرة، وبطش النفوس المستكبرة، التي لم تستفد من رمضان صبرا، ولا حلما، ولا أناة، ولا رحمة، ولا تسامحا؟ فإن لم يتصالح الناس في رمضان، فمتى يتصالحون؟ وإن لم يسعد الناس في رمضان، فمتى يسعدون؟ وإن لم يتغير الناس في رمضان، فمتى يتغيرون؟.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة" مسلم. وعند الإمام أحمد قال الأشج: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ".

إن قولك لخصمك: "إني امرؤ صائم" تعليم له أنك متلبس بعبادة تمنعك من أن ترد عليه، لأن في ذلك ضياعا لأجر كان السلف يسألون الله تعالى ستة أشهر أن يشهدوه ويعيشوه.

قال علي – رضي الله عنهم -: "أول عِوض الحليم عن حلمه أنّ الناس أنصاره".

وقال بعض البلغاء: "ما ذبَّ عن الأعراض، كالصفح والإعراض".

وسئل الأحنف بن قيس: بم سُدتَ قومك؟ قال: "وجدت الحِلم أنصر لي من الرجال".

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

رمضان .. ركاز الشهور والأيام

د خالد سعد النجار رمضان هدية السماء، وبركة أهل الأرض، وخير يفيض لعمر مديد، قال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *