الرئيسية / نفحات إيمانية / رمضان وبدر والعشر

رمضان وبدر والعشر

د. صغير بن محمد الصغير

 هاهو شهررمضان قد انتصف، بل وزاد، فهل فينا من قهر نفسه وانتصف؟ وهل فينا من قام فيه بما عرف ؟ وهل تشوقت أنفسنا لنيل الشرف ؟! ما أَسرعَ مُرُورَ اللَّيَالي وَمُضِيَّ الأَيَّامِ! وَمَا أَعجَلَ انقِضَاءَ الأَوقَاتِ وَذَهَابَ السَّاعَاتِ! بِالأَمسِ القَرِيبِ دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ، وَكَانَ المُسلِمُونَ في شَوقٍ عَظِيمٍ لِبُلُوغِهِ، وَكَانَت نُفُوسُهُم في لَهفَةٍ شَدِيدَةٍ لإِدرَاكِهِ، ثُمَّ هَا هُوَ اليَومَ قَد مَضَى نِصفه عَلَى عَجَلٍ"اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك"

ولربما منا من يكون هذا الشهر آخرَ رمضانَ يعيشه، فيكون ممّن أُعتق فيه من النار إذا أتى بأسباب توجب له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، من الصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر ومساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعامهم والصدقة والاستغفار وغير ذلك من الأعمال الصالحة وقد روى الترمذي وغيره بسند صحيح "إن لله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة"

 

أيها الأخوة في مثل الليلة القادمة ليلة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة،كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أعز الله فيه جنده، ونصر فيه عبده، يوم قال فيه صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " . خرج صلى الله عليه وسلم مع ثلاثمائة وبضعة رجلاً من المهاجرين والأنصار، من أفضل الخلق يومئذ، خرجوا بعد ما أعلن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المسلمين قائلا: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفِلكُمُوها.

ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة- بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة رضي الله عنهم في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول الله صلّى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم يُنكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة

قسم صلى الله عليه وسلم جيشه إلى كتيبتين:

1- كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علي بن أبي طالب.

2- كتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعد بن معاذ.

ثم سار رسول الله صلّى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، حتى بلغ بئر الروحاء ولما ارتحل منها، ترك طريق مكة بيسار، وانحرف ذات اليمين على النازية (يريد بدرا)، فسلك في ناحية منها، حتى قرب من الصفراء، وهنالك بعث بعض من يرقب عير قريش. وفي المقابل فقد بلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين لملاقاة القافلة، فبعث رجلاً اسمه ضَمْضَم الغفاري إلى مكة يستصرخ قريشًا أن ينفروا لحماية تجارتهم، فنهضوا مسرعين، وخرجوا من ديارهم كما قال عز وجل: ﴿ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 47].

ثم إن أبا سفيان انحرف إلى ساحل البحر فنجت القافلة، وكتب إلى قريش أن ارجعوا فإنما خرجتم لتحرِّزوا تجارتكم، فأتاهم خبرُه فهمّوا بالرجوع، فانبعث أشقاهم أبو جهل فقال: والله لا نرجع حتى نقدَمَ بدرًا فنقيمَ فيها، نطعمُ من حضرنا، ونسقي الخمر، وتعزفُ علينا القِيَان، يعني المغنيات، وتسمعُ بنا العرب، فلا تزال تهابنا أبدًا وتخافنا.

ولما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُ خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم أبو بكر ثم عمر ثم المقداد رضي الله عنهم فأحسنوا، ثم استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى، فعلم الأنصار أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما يعنيهم، فقال سعد بن معاذ: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فامض بنا حيث شئت، وصِل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت، وما أخذت منها كان أحبَ إلينا مما تركت، فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البَرْك من غمدان ـ أقصى الجزيرة ـ لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ثم تكلم المقداد بمثل ذلك، فأشرق وجه الرسول بما سمع منهم وقال: ((سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم))

سار النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزل بأدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة. فقال الحباب بن المنذر رضي الله عنه يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو الحرب والرأي والمكيدة.

فقال الحباب: فليس هذا بمنزل فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم رأي الحباب ومضى بأصحابه حتى نزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وجيش قريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وأنزل الله مطرا كان شديداً ووحلاً زلقا على المشركين وكان طلا خفيفا على المسلمين، طهرهم به ووطأ لهم الأرض وثبت به الأقدام و بنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا على تل مشرف على موضع المعركة.

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسوى صفوف أصحابه ومشى في أرض المعركة يشير إلى مصارع القوم إلى المواضع التي سيقتل فيها زعماء المشركين يقول هذا مصرع فلان إن شاء الله فو الله ما جاوز أحد منهم الموضع الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، قتلوا في تلك المواضع التي عينها النبي صلى الله عليه وسلم.

والتقى الفريقان وقام النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي ربه يدعو ويلح في الدعاء ويتضرع بين يدي ربه ويستغيث به، يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم هذه قريش قد أتت بخيلها وخيلائها تصد عن دينك وتحارب رسولك،ثم يقول عن أصحابه: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض

واستجاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهزمت قريش برجالاتها وخيلها وصناديدها، وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وجمع من القتلى أربعة وعشرون من صناديد المشركين فألقي بهم في قليب من قلبان بدر، منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من رؤوس الكفر وصناديد المشركين.

وبعد ثلاث ليال أقامها النبي صلى الله عليه وسلم ببدر، انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند انصرافه وقف علي القليب ونادى أولئك الصناديد بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا. فقال له عمر الفاروق: أتنادي أجساداً قد بليت يا رسول الله. فقال: والله ما أنتم بأسمع لكلامي منهم،ذلك أن الله عز وجل أسمعهم نداء نبيه في تلك اللحظة

من أعظم عِبر يوم بدر أن الإسلام كلمة الله الباقية، ورسالته الخالدة، باقية ما بقي الزمان وتعاقب المكان، يُرفع شعارها ويقدس منارها بعزّ عزيز وذل ذليل، هذا الإسلام الذي كتب الله العزة لمن والاه، وكتب الذلة والصغارعلى من عاداه، كلمة باقية ورسالة خالدة زاكية.

مِنْ عِبَر يوم بدر أخذنا أن الصبر مفتاح الفرج، فما ضاقت الأمورعلى من صبر، الصبر مفتاح الخير.

أخذنا من غزوة بدر أن مع العسر يسرًا، وأن عاقبة الصبر خير: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 127]، صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فظفروا، ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ﴾ [آل عمران: 125]، فإن وجدت عبدًا من عباد الله قد صُبَّت عليه المحن والبلايا من الله، ونصب وجهه صابرًا لله، فبشره بحسن العاقبة والمآل من الله.

نعم الصبر والتقوى سبيل النصر للمؤمنين ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ [آل عمران: 125] صبرًا – يا أهل الإسلام – في زمان عظمت كربه، في زمان اشتدت بلاياه ومحنه، إن وراء الليل فجرًا، إن تحت الرماد نارًا، صبر جميل، لعل الله أن يأتي بالفرج الجليل.

ومن أعظم أسباب النصر العظيمة تآلف القلوب وتراحمها، كان أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – في قلة من العدد والعدة، ولكن كانت بينهم المحبة والصفاء والمودة، كانوا متراحمين متعاطفين متآلفين متكاتفين متناصرين متآزرين، شعارهم: لا إله إلا الله، فسبحان من أعزهم وهم أذلاء، سبحان من أغناهم وهم فقراء، سبحان من رفعهم وهم وضعاء.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

رمضان .. ركاز الشهور والأيام

د خالد سعد النجار رمضان هدية السماء، وبركة أهل الأرض، وخير يفيض لعمر مديد، قال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *