الرئيسية / رحيق الأدب / أحلام كاملة

أحلام كاملة

بسمة عبد العزيز

 

كان الليلُ طويلًا، والسكونُ عميقًا، والرضى يكَلِّل الأعينَ، ويحرِّض على نوم لذيذ؛ ليس في الأفق ما يوغر الصدرَ، ولا في البال ما يزعج النفسَ، والحال من الجمال والكمال بمكان.

النظام مُستتِب، البابُ مُغلق بإحكام، الأولاد نيام وقد أنهوا واجباتهم وتناولوا الطعام، وفي الصباح تعطيهم مصروفًا مما وفرت بالأمس مِن بند المَلبوسات؛ لا داعي لجواربها الجديدة ولا للحقيبة، هُم أولى ولا شكَّ بهذه الجنيهات.

***

مدت ذراعها تجذب الغطاءَ؛ فتعرى مِن ساقيها شبران، لكنها نجحت مِن خلال حركة مُحنَّكة ورشيقة، في استعادة الوضع الأصليّ وتثبيته؛ إذ لا تحتمل برودةَ القدمين، أما عن عنقها وكتفيها، فلا بأس في أن تتركهما للهواء؛ ذاك الذي يتسلَّل إلى الحجرة بلا حياء ولا استئذان. سيحين الوقت قريبًا؛ فتتمكن مِن استبدال غطاءٍ عامرٍ كبيرٍ، يتدلى مِن حواف السرير؛ بغطائها القصير، خاصة وزوجها يشكو كلما حلَّ الشتاء مِن أوجاع الظهر، وآلام العظام. ألقت عليه نظرة عابرة، كان غارقًا في نومه، يكاد يلتصق بها خشية فقدان الغطاء.

***

مر شريطُ الصباح برأسِها؛ قضت يومًا عاديًا كبقية الأيام، صَحَت في السادسة صباحًا، أوصلت أبناءَها إلى المدرسة، ثم استقلَّت المواصلات الأربع تباعًا، مُتوجهةً إلى مَقر عملها. كالعادة وصلت مُتأخرة، وتلقَّت على تراخيها ما تيسر مِن عتاب، ثم طالتها بسبب عدم الالتزام بالمواعيد في الأسابيع الماضية دفقات مُتتالية مِن التوبيخ، مع ذلك احتفظت برغبتها في إنهاء ما تكدَّس أمامها مِن مهام، وشرعت ترفع قطعَ الأثاث، وتزيح الثقيلَ منها في صبر وتمكُّن، غير عابئة بما نالت من تقريع.

***

اعتدلت كاملة في السرير وتثاءبت وهي ترى في مُخيلتها ما أنجزت. كان السيراميك لامعًا، والخشب زلقًا يبرق، والزجاج صافيًا؛ حتى لينخدع في وجوده الزائرون. رأت الحوائطَ والأبوابَ في أفضل حالاتها، ودورة المياه عامرة بروائح الكلور والديتول التي تحبها، ومثلها المطبخ الذي غسلت بلاطاته بحرص واحدة واحدة، أما الشرفات التي تجد أمرها دومًا أكثر صعوبة؛ إذ لا تكاد تنظفها حتى تمتلئ بالأتربة جراء حركة الشارع الصاخبة؛ فقد بذلت فيها جهدًا فوق الجهد، كي تنال مِن مخدومتها الثناء، وتحظى بغفران ما تكرر من تأخير؛ ففي المستقبل القريب ستسألها قرضًا تأمل أن يُجاب. تثاءبت مِن جديد وقد أهلكها تعبُ اليوم؛ فانقلبت على جانبها الأيسر ساحبة معها الغطاء.

***

ألقت ربة المنزل نظرة فاحصة على المكان، دخلت حجرة بعد الأخرى ودقَّقَت في الأركان، رفعت أطراف السجاجيد ومسحت بسبابتها الأسطح وحدقت في النوافذ، بل وصعدت السلم المعدني تتفقد ما اعتلى الدواليب، وأخيرًا ابتسمت في وجه كاملة: "برافو عليكِ.. تستحقين اليوم مكافأة". طارت كاملة من الفرحة وهي تتلقى ما فيه النصيب، أحصت الورقات الثمينة غير مُصدقة أن بيدها ما يكفي شراء الغطاء، بل وستدعم مدخراتها بما يفيض، وقد تبتاع الجورب والحقيبة، ولما لا تشتري أيضًا بساطًا جديدًا ومكتبًا للولد الصغير؟

***

مسَّت البرودة قدميها وأجبرتها على فتح عينيها، فألفت نفسها في السرير، وأدركت أن ثمة ما قد يتحقق في المنام متجاوزًا ما يبخل به الواقع، وما يضن به الناس. انتفضت كي توقظ الأولاد، عازمة أن تختصر وقت الإفطار؛ فربما استطاعت اليوم أن تتجنب غضب مخدومتها وضيقها بالتأخير، لكنها لمحت في قيامها الساعة؛ ولم تكن قد تعدت بعد الرابعة فجرًا. قفزت من جديد إلى السرير وأغمضت عينيها عنوة، وجعلت الصورة الأخيرة للغطاء الوثير؛ الذي لا ينفك يطاردها في لياليها، بل ويقتحم عليها صحوها؛ كلما سعلت أو شكى زوجها، لعل حلمًا من أحلامها القادمة يحمله إلى ناظريه ولو للحظات قليلة.

 

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

إن أردت

بمهجة الشاعرة/ جميلة شحادة إنْ أردتَ أنْ تضيءَ حلكةَ أيامِهم كُنْ شمسا، تسكب أشعتَها في شرايينهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *