الرئيسية / زهرة الحياة / مفهوم الموهبة وفن التعامل مع الطفل الموهوب

مفهوم الموهبة وفن التعامل مع الطفل الموهوب

هناك الكثير من المفاهيم التي تتداخل مع مفهوم الموهبة، لدرجة أن بعض الدراسات والبحوث تراها مرادفًا لهذا المفهوم؛ حيث إن بعض الدراسات ذهبت إلى أن الموهبة لا توجد إلا لدى أناس لديهم قدرات وإنجازات تفُوق الآخَرين، وأنهم يتمتعون بمعدل ذكاء متفوق وسابق لعمرهم، قد يصل إلى (120 I Q) فأكثر.

وقد أكَّد على ذلك أيضًا عبدالرحمن العيسوي؛ حيث ذهب إلى أن الأطفال الذين يحصلون على نسبة ذكاء (120 أو 125) وما فوقها، يطلق عليهم أصحاب الذكاء العالي أو المرتفع، ويمثل هؤلاء الأطفال نسبة (5 – 10%) من مجموعة أطفال سن العشرات، أما الأطفال الذي تصل نسبة ذكائهم من (135 – 140)، فيشار إليهم بأنهم أطفال موهوبون Gifted، ويمثِّل هؤلاء الأطفال نسبة من (1 – 3) من مجموع أبناء المجتمع.

ويبدو ذلك واضحًا في الأطفال الموهوبين؛ حيث إن هناك مظاهر مختلفة متعلقة بالموهبة؛ مثل الذكاء المرتفع، والقدرة على الإبداع، وأن الموهبة تقاس باختبارات الذكاء، وأن الموهوب هو مَن يحصل على أعلى الدرجات في اختبارات الذكاء.

وأظهر الاستقصاءُ الذائع الصيت الذي أجراه تيرمان 1925 Terman ومعاونوه؛ حيث قاموا بمتابعة أفراد موهوبين مدة أربعين عامًا (857 ذكرًا) (671 أنثى) – أن حاصل ذكاء هؤلاء (150) فما فوق، وهذا يؤكِّد على الاتجاه الذي كان يعتبر نسبة الذكاء هي المحك الأساسي للتُعرُّف على الموهوبين، وفي الوقت نفسه توجد بعض الدراسات التي ترى أن نِسَب الذكاء ليست محكًّا للموهبة، وليست مؤشرات تنبُّوئية جيِّدة خاصة بالأداء الإبداعي، ورغم ذلك فإن هذه الدراسات خلطت بين مفهوم الموهبة والعبقرية، واستخدمتهما بمعنى ومرادف واحد؛ فيرى "فاهر عاقل" أن العبقري هو الطفل المتميز بالذكاء المبدع من بين الموهوبين، وهذا يعني أن كل عبقري موهوب.

بينما حاول يوسف أسعد 1985م، أن يفرِّق بين الموهبة والعبقرية؛ حيث يرى أن الموهبة تشير إلى الاستعداد الفطري الذي يُعِين على القيام بنوع معيَّن من العمل، وهو ما يتطلب اكتساب المهارة، أما العبقرية، فإنها أكثر من ذلك حيث تتضمَّن الأصالة، والقدرة على الإبداع، والقدرة على التفكير، والعمل في مجالات لم يسبق لأحدٍ سَبْر أغوارها.

ولا يقتصر تداخلُ مفهوم الموهبة مع مفهومَي الذكاء والعبقرية فحسب، بل يتداخل مع مفاهيم أخرى؛ مثل: الإبداع، والابتكار، والتفوق العقلي؛ لذلك قبل عرض مفهوم الموهبة سوف نعرض لكلٍّ من هذه المفاهيم على حدةٍ؛ حتى نستطيع أن نحدِّد الفروق والاختلافات فيما بينها؛ لنصل إلى مفهوم واضح ومحدد للموهبة، وهذه المفاهيم؛ هي:

أ) مفهوم العبقرية Genius Concept:

العبقرية في اللغة كما يعرفها مختار الصحاح هي:

عبقرية: من عَبْقَر بوزن العنبر، وهو موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، ثم نَسَبوا إليه كلَّ شيء تعجبوا من حذقه أو جودة صنعته وقوته، فقالوا: (عبقري).

بينما يشير قاموس (أكسفورد) إلى مفهوم العبقرية على أنه:

قدرة عظيمة وغير عادية في التفكير والتخيل.

وتُعرف العبقرية على أنها مصطلح يستخدم فقط للدلالة على الإنتاج الفذ المتميز، سواء في مجال العلم أو الفن أو التكنولوجيا.

في حين يشير ألبرت "R.S Albert" إلى أن العبقرية هي:

أن يقوم شخص بالإنتاج عبر مدى طويل من الزمن لعدد كبير من الأعمال، التي يكون لها تأثيرُها الواضح والكبير على الآخَرين لسنوات عديدة.

كما تُعرّف العبقرية على أنها:

مدى للقدرة العقلية، سواء العامة أو فيما يتصل بالاستطلاعات الخاصة من النوع الإبداعي، وهو مصطلح عريض يُشير إما إلى درجة مرتفعة بشكل غير عادي من الذكاء العام، أو إلى موهبة خاصة بدرجة غير عادية.

وتُعرّف أيضًا على أنها:

القدرة على الأصالة والإبداع؛ مما يؤدي إلى إنتاج أشياءَ جديدةٍ لم يسبق التعرُّفُ عليها من قبل في أي مكان في العالم.

وتعرف العبقرية على أنها:

قوة فكرية فطرية من نمط رفيع، كالتي تعزى إلى من يُعتبَرون أعظم المشتغلين في أي فرع من فروع الفن أو التأمل أو التطبيق، فهي طاقة فطرية، وغير عادية، وذات علاقة بالإبداع التخيلي، وتختلف عن الموهبة.

واستخدم تيرمان وهولنجورث اصطلاح العبقرية للدلالة على الأطفال الذين يملكون ذكاءً مرتفعًا، حيث اعتبر تيرمان كل تلميذ من أفراد العينة التي قام على دراستها ومتابعتها حوالي 35 عامًا، حصل على + 140 نقطة ذكاء في اختبار ستانفورد بينيه – في عِدَاد العباقرة.


ب) مفهوم الإبداع Creativity concept:

• يُعرَّفُ الإبداع في المعجم الوسيط على أنه: "إبداع؛ أي: أبدع الشيء واستخرجه واستخلصه، وعند الفلاسفة: إيجاد الشيء من عدم، فهو أخص من الخلق".

كما يشير المورد الوسيط إلى كلمة Creativity إلى أنها تعني مبدعًا، أو إبداعيًّا، أو فائقًا.

• ويستخدم مفهوم الإبداع ليشيرَ إلى العمليات العقلية والمزاجية والدافعية التي تؤدِّي إلى الحلول والأفكار والتصورات والأشكال الفنية، والنظريات التي تكون فريدة وجديدة.

• كما يُعرِّف جليفورد 1900 Guilford الإبداعَ على أنه: "تلك القدرات التي تميِّز طائفة من الناس، هم الأشخاص المبدعون، وهي تفكير في نسق مفتوح، يتميز الإنتاج فيه بخاصية فريدة هي تنوُّعُ الإجابات المنتجة، والتي تحددها المعلومات المعطاة".

• بينما يرى فوكس Fox الإبداعَ على أنه قدرة عامة لدى الأشخاص الأسوياء، ولا يقتصر على المجالات العلمية أو الفنية فقط.

• ويرى هافل hafel أن الإبداع هو: "عملية ينتج عنها عمل جديد تَرضَى عنه الجماعة، أو تتقبَّله على أنه مفيد".

• في حين يشير فروم from إلى الإبداع على أنه: "هو إنتاج شيء جديد".

• ويرى كارل روجرز rogerz أنه: "ظهور إنتاج جديد في العمل؛ نتيجة تفاعل الفرد مع البيئة".

• كما يعرَّف الإبداعُ أيضًا على أنه: "إنتاج الجديد النادر المختلف المفيد فكرًا أو عملاً، وهو بذلك يعتمد على الإنجاز الملموس".

• ويعرَّف الإبداع على أنه: "هو القدرة على ابتكار حلول جديدة لمشكلة ما، وتتمثل في ثلاثة مواقف:

• التفسير: (سبب كشف العلة).

• التنبؤ: (استباق حادث لم يقع بعد).

• الابتكار: (يعتمد على موهبة الشخص أكثرَ من اعتماده على ما يقدمه الموقف).

• فالإبداع إذًا: "هو التخلص من السياق العادي للتفكير، واتباع خطٍّ جديد من التفكير"، أو "الإتيان بالشيء الجديد النادر المختلف والمفيد للبشرية".

ومن صفات التفكير الإبداعي ما يلي:

1- توالدي: يهتم بكل الطرق، ويبحث عن طرق جديدة للحل، ويهتم بجميع الأنماط، بل ويعمل على توليد أنماط بديلة.

2- يستخدم كل الوسائل الممكنة، ولا يتبع اتجاهًا معينًا، بل يسير التفكير من أجل خَلْق اتجاهات مختلفة، ولا يقوم بعملٍ ما دون هدف أو اتجاه، بل للبحث عن الهدف.

3- استثاري: ينتج أفكارًا لم تكن في الحسبان، ويعمل على إعادة تشكيل الأنماط.

4- وثَّاب: حيث يقفز التفكير إلى خطوة جديدة، ولا تعتمد على الخطوات السابقة بشكل مباشر، أو عن طريق خطوة ثالثة.

5- لا يجب أن تكون صحيحًا في كل خطوة من خطوات التفكير، طالما ستصل إلى نتيجة صحيحة.

6- لا يستخدم النفي؛ حيث من المفيد السَّير في المنطقة غير الصحيحة؛ حتى نصل إلى موقف مختلف نستطيع منه رؤية الصواب.

7- ليست المجموعات ثابتة، فقد تتَّسع لتشمل عناصر أكثر، وتوضع جميع الأشياء في الحسبان، ويعتبر المجموعات مؤشرات تساعد على تحرك التفكير.

8- يكتشف الطرق الأقل ترجيحًا.

9- عملية احتمالية: يزيد من فرصِ إعادة تركيب الأنماط، ولا يقدِّم وعودًا بالحل، ولكنه يضاعف من فرص التوصل إلى الحلول المُثْلَى.

10- يعمل على تغيير الأنماط بواسطة تنظيم الأشياء بطريقة مختلفة، ويقوم بتكسير الأنماط القديمة من أجل تكوين أنماط جديدة.

تعلم التفكير الإبداعي:

يتم التفكير الإبداعي عن طريق :

أولاً: طرح مشكلةٍ ما؛ مثل: مشكلة رياضية، أو اجتماعية، أو اقتصادية.

ثانيًا: بعد ذلك يتم طرح الحلول والافتراضات، وطرح سلبيات الحلول والبدائل.

ما سبق طرحه يعتبر نشاطًا ذهنيًّا يمثِّل التفكير الإبداعي.

تعريف التفكير الإبداعي:

"هو نشاط عقلي هادف، يؤدي إلى أفكار جديدة، ويعبِّر عن حلول لمشكلةٍ؛ رغبةً في البحث عن حل منشود، والتوصل إلى نتائجَ لم تكن معروفة".

مميزات (مهارات) التفكير الإبداعي، يتمتع التفكير المبدع بالمميزات التالية:

1- الطلاقة: تعني توليد حلول جديدة، والتوصل إلى البدائل، وتذكر معلومات سابقة.

أنواع الطلاقة:

– طلاقة الأشكال:  القدرة على الرسم الهندسي السريع لشكل معين.

– الطلاقة الفكرية:القدرة على إنتاجعدة أفكارمرتبطةبموقف معين.

– الطلاقة اللفظية:القدرة على إنتاجعدة ألفاظتبدا مثلا بحرف ( س).

2- المرونة:

– توليد أفكار غير متوقعة.

 عن طريق: الشرح، وإبداء الرأي، وتقديم الحلول، والقدرة على التغيير.

 

أشكال المرونة:

‌أ) المرونة التلقائية:

• الانتقال من فكرة إلى أخرى بسرعة وسهولة.

‌ب) المرونة التكيفية:

• سلوك ناجح عن طريق التغيير لمواجهة مشكلة.

3- الأصالة:

• أفكار متفردة بها طرافة وغير مباشرة.

4- استكشاف المشكلات:

• ملاحظة المشكلة وما فيها من ضعف.

• ملاحظة الأشياء غير العادية.

تنمية التفكير الإبداعي:

1. عن طريق الإبداعات والاكتشافات في مختلف جوانب الحياة من علوم وفنون وآداب.

2. عن طريق استغلال العقل البشري.

3. عن طريق العصف الذهني، الذي يعني استخدام الدماغ (العقل) في التصدي للمشكلة.

مبدآ العصف الذهني:

المبدأ الأول: تأجيل إصدار الحكم أثناء المرحلة الأولى.

المبدأ الثاني: الكم يولِّد الكيف.

القواعد الأربع للعصف الذهني:

1- تقبُّل أفكار الآخرين، مهما كانت ضعيفة (المبدأ الأول).

2- تشجيع الآخرين على تقديم الأفكار الجديدة والغريبة (غير المنطقية).

3- التركيز على الكم من الأفكار (المبدأ الثاني).

4- البناء على أفكار الآخرين، مع الجمع بين فكرتين وكذلك التعديل.

 

مراحل العصف الذهني الأربع:

1- مرحلة صياغة المشكلة: طرح المشكلة وتجميع الحقائق والبيانات.

2- مرحلة بلورة المشكلة: إعادة صياغة المشكلة عن طريق سؤال.

3- مرحلة العصف الذهني: توليد الأفكار وفيض من الأفكار في جو من الحرية.

4- مرحلة تقييم الأفكار:

انتقال المفيد والنافع من الأفكار لتنفيذه وَفقًا لعدة معايير؛ مثل: الأصالة، والحداثة، والمنفعة، والأفكار المنطقية.

أوجه الاتفاق (الشبه) وأوجه الاختلاف بين مهارات التفكير الناقد، ومهارات التفكير الإبداعي:

أولاً: أوجه الشبه:

• التفكير الإبداعي يمر بمراحل التفكير الناقد.

• التفكير الإبداعي يتضمن تقييمًا للجودة (نفس عنصر التفكير الناقد).

• التفكير الإبداعي يمر بنفس القواعد المنطقية للتفكير الناقد.

 

ثانيًا: أوجه الاختلاف:

التفكير الإبداعي:

 – يتصف بالأصالة

 – يخترق غالبا القواعد

– لايمكن التبؤ بنتائجه لأنه لايتحدد بالقواعد المنطقية

التفكير الناقد :

– تفكير متقارب إجابة واحدة

– عدم تغيير المبادئ الموجودة

يمكن التنبؤ بنتائجه لأنه يتحدد بالقواعد المنطقية

ج) مفهوم الابتكار Innovation concept:

الابتكار في اللغة من ابتكر الشيء؛ أي: ابتدعه غيرَ مسبوقٍ إليه.

كما يشير قاموس أكسفورد إلى الابتكار على أنه القيام بعمل تغييرات عظيمة بواسطة الأفكار الجديدة.

ويعرف الابتكار على أنه القدرة على التفكير في شيء جديد، وبطرق غير معتادة ومألوفة، والتوصل إلى حلول متفردة للمشكلات أو حلول غير مسبوقة.

ويعرف على أنه القدرة على التغيير الفني الحر، الذي يؤدي إلى خلق أشياء جديدة.

كما يعرف الابتكار على أنه القدرة على رؤية علاقات جديدة، والقدرة على إنتاج أفكار غير معتادة؛ للبعد عن الشكل التقليدي في التفكير.

ء) مفهوم التفوق العقلي Mental Superiority concept:

التفوق العقلي يعني في اللغة: تفوق: تفوق على قومه، فَاقَهم وترفع عليهم، والفائق هو الجيد في كل شيء.

عقلي: ما يقابل الغريزة التي لا اختيار لها، وما يكون به التفكير والاستدلال وتركيب التصورات.

وفي المورد الوسيط يعرف المتفوق Intellectual على أنه شخص مفكر، أو ذو الذكاء المتقد أو المتفوق عقليًّا.

ويشير مصطلح المتفوق العقلي إلى أولئك الذين وصلوا في أدائهم إلى مستوى أعلى من العاديين في مجالٍ من المجالات التي تعبِّر عن المستوى العقلي الوظيفي للفرد، شريطةَ أن يكون ذلك المجال موضع تقدير الجماعة.

كما يعرِّفه عبد السلام عبدالغفار 1975 بأن الطفل المتفوِّق هو الطفل الذي لديه من الاستعدادات العقلية ما يمكِّنه في مستقبل حياته من الوصول إلى مستويات أداء مرتفعة في مجال معين من المجالات التي تقدرها الجماعة، إذا توافرت للطفل ظروف مناسبة.

كما يُشير جانييه 1985م إلى التفوق العقلي على أنه يرتبط بالقدرات التي تنمو بشكل مقصود ومنظم، أو المهارات التي تكون خبرة في مجال من مجالات النشاط الإنساني، والمتفوق هو الفرد الذي يتمتع بأداء فوق متوسط في مجال أو أكثر من مجالات النشاط الإنساني.

كما يشير إلى التفوق العقلي بأنه التحصيل العالي، والإنجاز المدرسي المرتفع.

فالتحصيل الجيد قد يعدُّ مؤشرًا على الذكاء، ويعرَّف المتفوق تحصيليًّا بأنه الطالب الذي يرتفع في إنجازه أو تحصيله الدراسي، بمقدار ملحوظ فوق الأكثرية أو المتوسطين من أقرانه.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

أطفالنا والإبداع الفني

د. إسماعيل عبدالكافي التذوُّق الفنّي مهم جدّاً في حاضر حياتنا ومستقبلها، فهو ترسيخ لقيم الجمال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *