الراهب

سلوى أبو مدينالجزائر

توقف القطار عند آخر محطة، وأطلق صفارته، التفت نحوي، فإذا بالمقاعد خاوية ولم أجد سواي.

حملت حقيبتي ونزلت أمشي مسافات شاسعة فوق عشب أخضر غاصت فيه قدماي، توقفت ألتقط أنفاسي وأكملت طريقي وأنا أصعد فوق سفح تل، وتساءلت: ربما أخطأت وجهتي؟

المسافة التي قطعتها ليست بقصيرة، التفت خلفي بدأت الشمس تلوح بالمغيب، اعترتني رعشة غير عادية؛ نظرت خلفي علني أرى القطار الذي أوصلني إلى محطة لم تكن وجهتي.

لم يكن سوى عباءة الليل الذي بدا يخيم على المساحات الشاسعة، أكملت طريقي المتعثر وأتدثر بمعطفي الشتوي وشالي الكشميري.

لاح لي من بعيد ضوء خافت، بعث في نفسي الفرح والطمأنينة، انفرجت أسارير وجهي، وكأنها رسالة من الله ليدلني على الطريق الصحيح.

اقتربت من الضوء، فإذا به كوخ كبير، حفر على بابه كلمة zycie أي الحياة بالبولندية، قرعت الباب مرة ثم انتظرت.. ثم عاودت وقرعته مرة أخرى سمعت صوتاً: من الطارق؟
أجبت: هذه أنا يا سيدتي.

عاد الصوت: من بالباب؟

أجبت: أنا يا سيدتي هل لي بالدخول؟

قال الصوت : اسحبي المزلاج إلى  الخارج وادفعي الباب.

فتحت الباب ودخلت فإذا به كوخ كبير، نظرت حولي فإذا به رجل يجلس على أريكة صوف بيده عصا غليظة، اقتربت منه وألقيت التحية، فرد بمثلها.

قال: هل أضعت الطريق؟ ثم طلب مني الجلوس.

قلت له: يا سيدي لم أكن أعلم أن هذه آخر محطة؛ ولا أعلم كيف بي وصلت على هنا؟

طأطأ رأسه ورد :الغرباء هم من يخطئون الطريق!

أجبت: نعم!

كان الرجل يرتدي عباءة سوداء واسعة، وجهه أبيض مشرئب بحمرة تغزوه ولحية كثة كلون الثلج.

لم يكن يبصر فقط كان ضريراً، تزاحمت الأسئلة في رأسي.

وقبل أن أداهمه بالأسئلة، قال متسائلا: كيف وصلت إلى مدينة كراكوف، ولماذا تركك القطار في هذه القرية البعيدة، وما الهدف من الزيارة؟

ثم قال: لابد أنك جائعة، فشكرته لأني تناولت طعامي في القطار.

أشار بيده إلى طاولة في زاوية، وطلب مني أن أشرب اللبن الطازج الذي أحضره قبل وصولي.

اعتدل في جلسته ورفع راسه نحو السقف كأنه يهمس.

لحظات …

وأخذ المطر يقرع النوافذ الزجاجية.. ألقى تنهيدة

إنه المطر.. يغسل قريتي وأوجاع العالم المتعب..

أخذ كل شيء يعتم من حولي حتى الكلمات، جفت في ليلٍ قارس البرودة.

تلاحقني صور الألم، التعب الذي تسلل إلى عينيّ، سكت كل شيء من حولي فجأة حتى وميض المصباح أخذ يخفت.

لم أسمع صوتي، كل شيء ذهب، ممتلئاً برغبة شديدة في عزلة عن كل شيء.

كان الراهب يرتدي جوارب مثقوبة، استغليت انشغاله بصوت المطر الذي أخذ ينهمر بشدة ودوي الرعد، واختلست النظر إلى الرفوف المُترّبِة التي اكتظت بكتب مهترئة.

أطلت النظر في اللون الأسود الذي غطى المدن البيضاء في التفاصيل الصغيرة التي تمسح من أرشيف ذاكرتي.

صوت غثاء من الخارج، ليت اللحظة تكذب، والساعة، وكل شيء لا يتوقف، أنا هنا وليس أحد آخر غيري.

أسند رأسه فوق أريكته وأخذ يتمم بصوت خافت جداً، أما أنا فقد توسدت حقيبتي، وأغمضت عيني.

وإذا بي أسمع صوتاً يقول: pani mamy.

معناها يا سيدتي وصلنا، فتحت عينيّ كنت متوسدة حقيبتي، الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساءً، والمطر ينهمر في الخارج.

التفت حولي كل المقاعد خاوية من الركاب وأنا وحيدة لا أحد سواي، نظرت من خلال الزجاج المغبّش بقطرات المطر كل شيء ساكن، القطار وصل إلى آخر المحطة وأنا لا زلت انتظر!

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

صناعة الموهبة فن أم وظيفة؟

د. أحمد حامد عليان إن الدور المنوط بالأفراد والمؤسسات العاملة في البناء المجتمعي – غالبًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *