الرئيسية / رحيق الأدب / وحدها النوافذ

وحدها النوافذ

 

أذ .محمد بلمو (المغرب)

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
في البَيوتِ لَفظَتْ حَمولَتَها الشّوارِعُ
كيْ تَطْمئِنَّ لصَمْتِها العَجيبْ
تَتأمّلُ سّياراتِ مركونةً على عَجَلٍ
تَغرقُ في شَخيرٍ
غَيرِ معْهودْ
ومحَطّاتُ الوَقودْ
نعَم مَحطّاتُ الوقودِ
لمْ تُصدِّقْ أنّها شِبهُ عاطِلةٍ
وأنَّها لمْ تعُدْ قَدَرًا هيَ التي اسْتعْصَتْ على دعواتِ مُقاطعةٍ
لمْ تُصدِّقِ المَقاهي التي اسْتَسْلمَتْ لِكوابِيسِ النَّهارِ أنها في عُطلةٍ إجْباريةٍ
سَتشْتاقُ لِرائِحةِ القهْوةِ
ورَقِ الجَرائِدِ
عَرقِ الزَّبائنِ
صراخِ الدِّرْبياتْ
وأنَّ النادلَ عَليْهِ أن يُدَبِّرَ لَا جَدْواهُ وخُبْزَ أطفالِهِ
إلى أنْ يَمُرَّ لَيْلٌ لَمْ يَأبَهْ بِوَفاءِ الشّمْسِ لِتقاليدِ الشّروقِ والغروبْ

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
السّماءُ مَشْدوهَةٌ
لمْ تُصدِّقْ أنهَا زَرقاءُ على غيرِ عادتِها
زَرْقاءُ فعلًا كَما كُنَّا نَشْتَهي
لمْ تُصدِّقِ الطيورُ أنها تُحَلِّقُ مُطْمَئنّةً
لا يُعكِّرُ بهْجَتها هدِيرُ الطائِراتْ
لمْ يصَدِّقْ حَمامُ السَّاحاتِ أنه تُرِكَ فجْأةً لجوعٍ القِططْ
لمْ تُصدِّقِ السُّحبُ القَليلةُ التي تَمرُّ مُسرِعةً
أنّها بيْضاءُ كالثَّلجِ
كأنّها اغْتسَلتْ لِلتَّوِّ في النهْرِ
لمْ يُصدِّقِ الهَواءُ أنّهُ عَليلٌ
خَفيفْ
لا تَحْتَلُّه أدْخِنةٌ ولا عَكَّرتْ مِزاجَهُ الصَّعْبَ غازاتٌ مِن كُلِّ أنواعِ السُّمومِ
كأَنَّ المدينةَ اسْتعارتْه مِنْ قِمَّةِ جبلٍ شامخٍ
أوْ مِنْ كُرّاساتِ الخُضْرِ الحالمةِ

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
وأنا أحْتَمي بِضَوْئِها
أسْتجيرُ بِهوائِها مِنْ كابوسِ الوَقتْ
لمْ أُصدِّقْ أنَّني لا أحْلمُ هذِهِ المَرَّةَ
لا أحْلُمُ كَكُلِّ مرَّةٍ
وأنَّ عَلَيَّ أن أقيسَ خَطَواتي
أتسلَّحَ بَمنادِيلِ الورقٍ الكثيرةِ
كيْ أدْفَنَ رَذاذِي في المهْدِ
كُلَّما عَطسَتْ
لمْ يُصدِّقِ الضَّجيجُ المقيمُ أنّهُ اخْتَفى مِنْ هَلَعْ
لمْ يُصدِّقِ الدُّخانُ الوَقِحُ الذي هَرَبَ
أنَّهُ جَبانٌ ثَقيلُ الظِّلِّ
كَمْ هَدَّدَ سَقْفَ الأرضِ بِلَعْنَتهِ
كَمْ أربَكَتْ رائِحَتُهُ مِنْ دورَةِ دَمٍ مُنْهَكَةٍ
وأَنَّ الطَّبيعةَ ترُدُّ صَفعاتِ رأسمالٍ جَشِعْ

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
كي يمُرَّ الأوكسجينُ
إلى أجسادٍ خائفةٍ وأرْواحٍ تُسَبِّحُ طوالَ الوقتِ
لمْ تُصدِّقِ المساجدُ أنَّ المُصلِّينَ ولُصوصَ الأحذيةِ هَجَروها رغْمَ وَفاءِ المُؤذنِ لمواعيدِ الصَّلاةِ
وأنَّ انْفِلاتَ مَذْعورينَ يُهَلِّلونَ ذاتَ ليلةٍ
ليستِ الصَّلاةُ من أخرجتهمْ يُهَرْوِلونَ مِنْ فَزَعْ
لمْ تُصدِّقِ الحاناتُ أنها تَخلَّصتْ مِنْ عَرْبدةِ مَجانينِها
اشْتاقَتْ لِنغماتِ عازفٍ حكيمٍ
تَركَتْ كُؤوسَها تبْكي في ظلامٍ اليُتْمِ
اسْتأْجَرتْ جَلساتِ السُّكْرِ مؤقَّتاً
لِبعْضِ الشُّرُفاتِ الحَزينةْ
لمْ يُصدّقْ ماسِحُ الأحذيةِ أنَّ الأزقَّةَ مصْدومةٌ
لَفَظَتْهُ بلا عَملٍ
لَعلَّ الحُكومةَ لا تَنْسى قوتَ أُسْرتِهْ
لمْ يَصَدِّقْ سائِقُ الطّاكسي كيْفَ انْقَلبَتِ الأحوالُ
بِسُرْعةِ بَرْقِ
كيْفَ اخْتَفى المُسافِرونَ
تَضاعفَتِ المتاريسُ حينَ هوى النَّفْطُ دليلًا
لمْ يَصَدِّقْ كيْفَ أنّهُ انْدَحرَ مثْلَ سَبّورَةِ القِسمِ
وبائعِ الخُرْدةِ والمسرحيِّ والمغَنّي
حينَ تسلّقَ الصّابونُ سُلَّمَ الأَوْلوياتْ
اسْتعادَ عَوْنُ السُّلطةِ بريقَهُ
واسْتأسدَتِ الكُماماتْ

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
كيْ أتَنفّسَ عَميقاً
كيْ أُرَتِّبَ فَوْرةَ أسئلَةٍ مِثْلَ عاصِفَةٍ
لمْ يُصدّقِ الأطْفالُ أنَّهُم هَجروا لُعَبَ أزِقَّتِهمْ
عَنْدَما اخْتَلطتْ عليهِمُ عُطَلٌ بالدِّراسةِ عَنْ بُعدْ
انْزَوَتْ كُراتُهُمْ حَزينةً بلاَ هدفٍ
بلا مرْمىَ انطفأتْ نجومُهمْ
كاميراتٌ مجْنونةٌ اسْتَبْدَلتْ وِجْهَتها
لأنَّ المَلاعِبَ انْتَحَرتْ واللَّاعِبون على مَضضٍ
قَبلوا تَخفيضَ أُجورِهِمْ
لمْ تُصدِّقِ المدينةُ أنها اكْتشفتْ فَجأةً غيْرَتها مِنَ القُرى
انْقَلبَ تَيّارُ الهِجْرَةِ على غَرْبٍ مَوْبوءٍ
تَهافتَ مُهاجِرونَ على قَواربِ مَوتٍ
كيْ يَعُودوا إلى دَواويرِ الفقرٍ المَنيعَةْ

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
كي لا أخْتنقْ
كي أسْترٍقَّ النَّظَرَ في كُلِّ مرَّةٍ إلى سماءٍ تبْتَعِدْ
لَمْ تُصدِّقِ الهواتِفُ الذَّكيةُ أنَّ شأنها يَعْلو حَيثُما نَزلَ سِعْرُ النَّفطِ والصَّرفْ
وأَنّها تُطيحُ بالعَرباتِ عنْ عُروشِها
تسْطُو شاشاتُها على أقْسامِ الدَّرسِ ونَشراتِ الأخبارْ
وَأنّها سَحَرَتْ بِلا هوادةٍ أصابعَ الصِّغارِ وعُقول الكِبارْ
لأنَّ القُبْلةَ أصْبَحتْ مَوْقوتَةً والاحتكاكَ قدْ يؤدي إلى مجْزَرَةٍ
وأنَّ لا طريقَ غيْرَها لِعيادَةِ الأحْبابْ
لمْ يصدِّقِ الرِّجالُ أنَّهمْ لنْ يُغادِروا كُلَّ صَباحٍ
وأنَّ عليهِمُ التَّأقْلُمَ معَ سَطْوةِ المطبخِ وغَسْلِ الصُّحونْ
وأنَّ نَفْضَ غُبارٍ سَميكٍ عنْ كتبٍ أعْياها الانْتِظارُ
أرْحَمُ مِنْ تسَكُّعٍ ممْنوعٍ
والأبوابُ أقْفَلتْ أبْوابَها
كي لا تَتسلَّلَ كائناتٌ غامضةٌ
والرَّوائِحُ المُزْدحِمةُ اخْتفَتْ فجأةً
أفْسحَتِ الطّريقَ لنَسيمِ البحْرِ اليَتِيمْ
واسْتَراحَتِ الأرْصِفةُ مِن أحْذِيَةِ الرَّاجلينَ وعرباتِ الفواكهِ وبائعي السَّجائرِ وعِصاباتِ الحَشيشْ

وَحْدَها النّوافِذُ
تشْرعُ أبْوابَها
وَحْدَها
كيْ لا تَتوقَّفَ الحياةُ
لمْ تُصدِّقِ القِطاراتُ أنّها أصبحتْ بلا جَدوى
مَحطّاتُها نائِمةٌ دونَ أجِنْدَةٍ
وأنَّ الكونَ دَخلَ زَمناً آخَرَ
اسْتبْدلَ سِكَّةَ الحديدِ بِطُرقٍ أخْرَى
وأنْظِمةِ تَنَقُّلٍ لمْ نَتَعوَّدْ عَليْهاَ
لمْ تُصدِّقْ مُخابراتٌ أنّها فَقدَتْ طَراوَتها
أوْ لعلَّها تَجرُّ العالمَ إلى فَخٍّ كيْ تَتخلَّصَ مِنْ عِبْءِ طاعِنينَ في السِّنِّ أو لِتَرويجِ سِلَعٍ جديدةٍ أو بِناءٍ على أَنْقاضِ تَدْميرْ
لمْ أُصدِّقْ أنهُ لا زالَ بإمكاني أنْ أَكتُبَ شِعرًا
حينَ فاضَ نَهْرُ الأسئلةِ في صَحْرائي
لمْ تُصدِّقِ العُزْلةُ أنّها لَمْ تَعدْ قَدرَ الشّاعرِ أَو حُرِّيتَهُ
إليْها هَربَ الجَميعُ بِلا اسْتِئذانٍ
خوفًا مِن وحْشٍ مِجْهَرِيٍّ
يَطرُقُ أَبْوابَ المُدُنِ في صَمتْ
…..
وَحدَها النوافذُ تَسْتحْمِلُ حَماقاتِي
وحْدَها
النَّوافِذُ
تَسْتحْمِلُ
حَماقاتِ
العالَمْ
وَحْدَها

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

حكاية أنثى

رشا السرميطي  (فلسطين) تحيّة صمتٍ وبعد، صباح الخير يا صديقي،أكتب إليك الآن من محطة الورق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *