الرئيسية / آراء و مواقف / الثقافة الشعبية والأمثال … جدل التأثير والتأثر

الثقافة الشعبية والأمثال … جدل التأثير والتأثر

د جاسم الفارس

إنّ الانشغال بالثقافة الشعبية ومعطياتها وعلاقاتها المعرفية والمجتمعية تقودنا إلى البحث في الذات الاجتماعية، بوصفها الفضاء الذي يمدّ الفرد بمقومات التقدم والنضوج، لأنها تحتوي المعطيات الثقافية والفكرية والقيميّة والجمالية التي صنعتها في حراكها الاجتماعي والتاريخي، وتشكل مادة للتأمل وحافزاً للتطور بما تمثله تلك المعطيات من عبر وحكم، وقدرة على الحوار مع ثقافات الأمم الأخرى والتفاعل معها، لكون الثقافات الشعبية /الاجتماعية، وحدات فكرية متنوعة تشكل على الصعيد العالمي أنساقاً معرفية، تعكس الاستقلال من جهة والتفاعل مع الآخر في الوقت ذاته.

إن وعينا بالثقافات الشعبية للمجتمعات الإنسانية، يعني وعينا بقدراتها العقلية، وطاقاتها التبادلية، وفي إطار بحثنا هذا، فإن الأمثال تعّد أحد أشكال هذه الطاقات التبادلية بما تعكس من تشابه داخل منظومتها الاجتماعية وخارجها بين المنظومات الاجتماعية المتعددة في إطار الثقافات الاجتماعية السائدة.
إن السمة البارزة في الثقافات الاجتماعية هي قابليتها على التأثير والتأثر، أنها تتأثر بمعطيات المجتمع التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسلوكية، وتؤثر فيها كذلك.

تتمثل الطاقة التأثيرية للأمثال في أربعة عناصر مهمة هي:
1- التآلف الاجتماعي:

المقصود به قدرة المجتمعات الإنسانية على إدارة سلوكها الاجتماعي المعقد، من خلال قدرتها على إنتاج الثقافة وتطورها. ويعّد (المثل) في هذا المضمار أحد أشكال نتاج تلك القدرة.

2- الذكاء الاجتماعي:

ينطوي هذا الذكاء على القدرة التي تسمح لنا بأن نعزو للآخرين مجموعة من الصفات العقلية المتباينة التي تعكس خططهم ومواقفهم ونواياهم ، وهي التي تنتج أشياء مهمة منها المعرفة ومنها (الأمثال)، التي تمكننا من قراءة بعض الملامح الأساسية للثقافات الشعبية.

3- الميزة الانتخابية للروح الاجتماعية:

تنتقل المعارف والمهارات عبر الأجيال، وفي هذا تكمن الميزة الأساسية للروح الاجتماعية التي تقتسم المعرفة وتولدها عبر هذا الانتقال والتبادل.
إن كفاءة صنّاع المعرفة في الثقافات الاجتماعية، واتساع رؤيتهم وبعد نظرهم، هو الذي يؤدي إلى تحولهم إلى قوة انتخابية تمتلك القدرة على توجيه الأحداث وتعميق المعارف وصناعة التاريخ، ومن ثمّ قيادة الآخرين والتأثير في ثقافاتهم ومعارفهم.

4- ابتكار التاريخ:

إن مسيرة البشر وحراكهم الثقافي يوضحان أن المجتمعات الإنسانية تبتكر ثقافاتها وتطورها دائماً، وتعكس الأمثال جانباً مهماً من هذا الابتكار الذي هو انعكاس لتفكير جديد ورؤية جديدة، فهو إما نتاج تأثر بالمنجز السابق، أو تأثير في الواقع الحالي لصياغة نمط جديد وحالة جديدة.
نطلق على هذا الحِراك الثقافي مصطلح (الثقافوية) التي هي أطار للفكر ورؤية للعالم، ويقوم الأفق الثقافوي على جملة اقتراحات تميل إلى الظهور مجتمعة وهي:
1- الارتباط الوثيق بين بنية الشخصية والثقافة المميزة للمجتمع، لكون الثقافة في ضوء هذا التصور هي نظام القيم الأساسي للمجتمع، وعليه تعد (الأنا) ترسباً ثقافياً.
2- تميل المجتمعات إلى تشكيل كلٍّ ثقافي فريد، بغض النظر عن درجة تطورها الاقتصادي، وهذا يجعلها حتماً مختلفة عن بعضها بقوة من الناحية الثقافية.
3- ميل نظام قيم المجتمعات إلى الاتسام بقيم غالبة أو صيغية، الأمر الذي لا يستبعد وجود قيم محرَّفة وقيم متنوعة، فيرى أصحاب هذا الاقتراح أن الهنود الحمر مثلاً في المكسيك الجديدة، يعلقون أهمية أساسية على القياس والتناسق ووحدة الإنسان مع الكون، إنهم يشكلون مجتمعاً متوازناً وخاضعاً للقياس، بينما يعيش السكان الأصليون في الشاطئ الشمالي الغربي لأمريكا في مُناخ تنافسي ثابت، إذ يبذل الأفراد جهداً لإثبات تفوقهم، وانتصارهم على منافسيهم حتى بالعنف عند الاقتضاء. بينما يعلّق الأمريكيون أهمية على الكمال أكثر من الألمان، ويعلّقون أهمية أقل على النماذج الثقافية. أما بالنسبة للإنجليز فالعالم هو مدى طبيعي يتكيف معه الإنسان، لا ينسب لنفسه فيه أي إستشراف على المستقبل، وإنما فقط التبصر المجرب للفلاح أو للمزارع، ويعد الإنسان المشارك الأصغر لله.

4- تميل ثقافة مجتمع معين إلى الانتظام في جملة من العناصر المتماسكة فيما بينها.
5- يحيا الإنسان في عالم رمزي يخلقه هو، وكل حقيقة تكون بالنسبة له رمزية، فالأحكام والتقييمات والمدركات تكون كلها نسبية مع النظام الثقافي الذي ينتمي إليه .

• معاني الثقافة:
في البدء نؤكد على أن الثقافة سواء أكانت شعبية كما يود بعضهم أن يفصلها عن مفهوم الثقافة العام، أو ثقافة النخبة كما يحلو للآخرين أن يسموها، تشتمل على ثلاثة معانٍ أو ثلاث مجموعات من المعالجات:

1- يشير المعنى الأول الذي يستعمله مؤرخو الثقافة بمعنى تقني لجميع عناصر الحياة البشرية التي ينقلها المجتمع، سواء أكانت مادية أم معنوية، وهي بهذا المعنى ملازمة للإنسان، إذ لا يوجد إنسان بما في ذلك المجتمعات البدائية لا ينخرط في عالم اجتماعي له شبكة من الاستعمالات والعادات والمواقف التي يحافظ عليها التراث وينقلها، فبالنسبة لمؤرخ الثقافة يوجد عدد من أنماط الثقافة وأنواع لا نهائية من عناصرها.

2- المعنى الثاني وهو الأكثر تداولاً يؤكد على التدقيق الفردي المقام انطلاقاً من عدد صغير من المعارف والتجارب المتمثلة، لكنه مشكّل من مجموعة من ردود الفعل الخاصة، المصادق عليها من طرف طبقة معينة وتراث معين.

3- المعنى الثالث يشتمل التركيز على البعد الروحي والخبرات الروحية للجماعة، أكثر مما يركز على الخبرات الروحية للفرد، ويلتقي مع المعنى الثاني في تركيزه على عدد قليل من العوامل المستقاة من بناء الثقافة الواسع.

تقترب الثقافة من الروح أو (العبقرية) الخاصة بشعب من الشعوب، من دون أن يكون هذا اللفظ مرادفاً لها تماماً، إن الثقافة تتضمن زيادة على الماضي، جملة تجليات ملموسة ومميزة، وعليه يمكن القول أن الثقافة هي الحضارة من حيث أنها تتضمن العبقرية القومية .

وعليه يمكن صياغة مفهوم الثقافة كما عرفها كلاكهون بأنها "كل مخططات الحياة التي تكونت على مدى التاريخ بما في ذلك المخططات الضمنية والصريحة والعقلية واللاعقلية وغير العقلية، وهي توجد في أي مكان موجاتٍ لسلوك الناس عند الحاجة" . ويضيف كلاكهون "أن ثقافة مجتمع من المجتمعات هي نسق تاريخي المنشأ، يضم مخططات الحياة الصريحة والضمنية، يشترك فيه جميع أفراد الجماعة أو أفراد قطاع خاص معين منها" .
إن المجتمعات الإنسانية تتقدم برقي منجزاتها الثقافية وبتنوع هذه المنجزات وتطورها وقوة حضورها، فالمجتمعات التي تعرف مكوناتها الثقافية التي تتحكم فيها وتُنمّط تفكيرها وتحدد اهتماماتها وتوجه نشاطاتها ، تحقق تقدما وازدهاراً مهمين، ذلك أن الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي هي أسلوب أو طريقة الحياة التي يعيشها أي مجتمع بما تعنيه من تقاليد وعادات وأعراف وتاريخ وعقائد وقيم واهتمامات واتجاهات عقلية وعاطفية ورؤى مستقبلية، انها طريقة تفكير وأنماط سلوك ونظم ومؤسسات اجتماعية وسياسية وما يعيشه المجتمع من انفتاح أو انغلاق، والثقافة بهذا المحتوى العلمي لا تأتي قصدا من الأفراد وإنما يكتسبها الناس من البيئة التي يولدون فيها ويحيون .

• الأمثال والثقافة:
في ضوء هذه المفاهيم للثقافة، يعّد المثل أحد فروع الثقافة وأكثرها ثراءً، إذ يجسّد تعبيراً عن نتاج تجربة أمة طويلة تخلص إلى عبرة وحكمة، ومجموعة الأمثال الشعبية تكوّن ملامح فكر شعبي ذات سمات ومعايير خاصة، وهي جزء مهم من ملامح الشعب وأسلوب حياته ومعتقداته ومعاييره الأخلاقية .
تؤثر الأمثال في المجتمعات من خلال ما يأتي:
1- قدرتها على إحداث الحراك الاجتماعي.
2- تأثيرها في السلوك الإنساني.
3- تعدد موضوعاتها التي تكاد أن تحتوي كل مناحي الحياة.
4- جمال بلاغتها المتمثلة في خصائصها التي هي إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكتابة .

تتأثر الأمثال في الثقافة الشعبية السائدة، ويبدو هذا واضحاً إذا ما تناولنا مصادر الأمثال، فالأمثال تغرف من مصادر عديدة يمكن إدراجها على النحو الآتي:
1- مستمدة من الحياة ونكتها الشعبية.
2- ما اقتبس عن الفصحى بنصه أو بشيء من التغيير على لغته.
3- ما استمد من كتب التراث.
4- المستمد من الأغاني الشعبية.
5- ما هو خلاصة تجارب وممارسات شعوب أخرى.
6- إدراك خصائص النفس البشرية.
7- خلاصة التعامل مع ثقافات الشعوب ودياناتها .

إن الثقافة الشعبية هي نتاج وعي الأمة بحراكها الاجتماعي وبيئتها ، ومن البديهي القول أن الأمثال السائرة والأقوال المأثورة عند جميع الأمم هي خلاصة تجاربها، ومستودع حكمتها، وسجل أخبارها، وترجمان أحوالها، فهي أشبه ما تكون بمرآة تعكس روح الأمة وعبقريتها، كما يتجلى في فكرها ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها ومثلها الأخلاقية والتربوية، إنها حياة الشعوب الخالدة وعلامة من علامات تميزها، ونبع من ينابيع كرامتها.

ويحسن بنا قبل الخوض في حديثنا عن الثقافة الشعبية أن نستعرض تعريف القدماء ومفهومهم للمثل العربي. إذ تدور لفظة (المثل) في المعجم العربي حول جملة معان منها : الشبه، والنظير، والصفة، والحجة، والعبرة والقول السائر بين الناس، المشهور بين عامتهم وخاصتهم، يضربونه لتصوير المعنى المراد تصويراً حياً بأوجز عبارة وأبلغها تأثيراً في النفوس، والمدلول الأخير هو الذي يهمنا. وقد انشغل علماؤنا بالأمثال وقدموا كنوزا أدبية مهمة شكلت ملمحاً مهما من ملامح ثقافتنا العربية والإسلامية نشير إلى بعضها على سبيل المثال لا الحصر: أمثال الضبي للمفضّل الضبي ت(180هـ)، والأمثال لزيد بن رفاعة ، وكتاب فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد بن سلام، ت(224هـ)، شرحه أبو عبيد البكري، والفاخر للمفضل بن سلمة، ت (291هـ)، وكتاب الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة لحمزة بن الحسن الأصفهاني، ت (351هـ)، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، ت (395هـ)، والمستقصى في الأمثال للزمخشري، ت (538هـ)، ومجمع الأمثال للميداني، ت(510هـ)، وكتاب الأمثال لعلي بن الفضل الطالقاني، ت (421هـ)، وكتاب الأمثال لأبي الفضل الميكالي عبيد الله بن أحمد، ت (436هـ). فكانت الأمثال عندهم تقوم على تلك المعاني التي وحدت عدداً من علماء اللغة وأساطين الأدب والفلاسفة ومصنفي كتب الأمثال حول هذا الموضوع :

ونشير في هذا المقام إلى إدراك ابي هلال العسكري للأمثال وقيمتها الحضارية في كتابه جمهرة الأمثال: "ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان، بعد سلامته من اللحن، كحاجته إلى الشاهد والمثل والشذرة والحكمة السائدة، فإن ذلك يزيد المنطق تفخيماً ويكسبه قبولاً، ويجعل له قدراً في النفوس، وحلاوة في الصدور، ويدعو القلوب إلى وعيه ويبعثها إلى حفظه. ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجاولة في ميادين المجادلة، والمصاولة في حلبات المقاولة، وإنما هي في الكلام كالتفصيل في العقد والتنوير في الروض، والتسهيم في البرد، فينبغي أن يستكثر من أنواعه، لأن الإقلال منها كإسمه إقلال، والتقصير في التماسه قصور، وما كان منه مثلاً سائراً فمعرفته ألزم، لأن منفعته أعم، والجهل به أقبح" .

ومن هنا كانت المعرفة بالأمثال ضرورة، ليس لأهل اللغة الناطقين بها فحسب، بل هي أمر محتم على كل دارس للغة من غير أهلها، أن لم يكن لاستعمالها فمن أجل فهم اللغة وثقافتها في إطارها الطبيعي.

ولا يختلف الأوربيون في تعريفهم للمثل عن معناه في الثقافة العربية، فالمثل عند أرسطو: هو العبارة التي تتصف بالشيوع والإيجاز، ووحدة المعنى وصحته ، وعند آرثر تايلور هو أسلوب تعليمي ذائع بالطريقة التقليدية، يعمل أو يصدر حكماً على وضع من الأوضاع. وفي ثقافتنا العربية المعاصرة اهتم الكثير من العلماء العرب بقضية المثل ومكانته في ثقافة الأمة، فالمثل عند شوقي ضيف هو فلسفة الحياة الأولى، وله في تاريخ الفكر أهمية لا يدركها إلا من تعمق في دراسة نفسية الشعوب ودراسة التطور الفكري عند البشر. وعند محمد أبي صوفة هو مظهر حضاري يتصل بجذور الشعب، سواء أكان في معناه الظاهري المسجل للحدث، أم بمعناه الباطني الذي يشتمل على الموعظة والحكمة، فهو تراث العامة والخاصة، وهو واحد من أهم مكونات الشخصية الأدبية العربية، وهو ملمح من ملامحها الأصلية، وهو إلى هذا وذاك نهاية البلاغة في لغتها، كما أنه دليل الحصافة والفهم، والأمثال مصابيح الأقوال .

وفي الفرنسية تشير المعاجم إلى أن المثل، هو جملة خيالية ذائعة الاستعمال، تدل على صدق التجربة أو النصيحة أو الحكمة، يرجع إليها المتكلم. وقديماً عرّفوا المثل بأنه حكمة شعبية قصيرة تُتداول على الألسنة، أو هو جملة غالباً ما تكون قصيرة، تعبر عن حدث ذي مدلول خاص، ولكن يبقى على المستمع تخمينه، ويُرجع المؤرخون المثل إلى كلمة Proverb حتى نهاية القرن الثاني عشر، وهي مستعارة من كلمة Proverbium باللغة اللاتينية، وكان معناها لغزاً أو مقارنة، ويذكر المهتمون بالأدب، أن المثل جملة لها محتوى تعبر عن حقيقة عامة. ويسمون أحد أسفار الكتاب المقدسbible بـ (سِفر الأمثال) وأمثال سليمان، الذي يتضمن مجموعة من الحِكَم الأخلاقية.

كما ذكروا أن من مرادفات المثل (Proverb) في الفرنسية: adage maxime, diction، وهي مصطلحات تعبرعن الحكمة والعبرة والموعظة، وذكروا أن ثمة أشخاصاً تذكر الأمثال بأسمائهم ، تعبيراً عن حكمتهم فذكروا بيتاً شعرياً لفولتير اتخذه الفرنسيون مثلاً: "من يخدم بلده ليس بحاجة إلى أجداد" .

وإذا ما انتقلنا للمحدثين الذين اهتموا بدراسة المثل، نجدهم لا يكادون يختلفون مع القدماء في مفهوم المثل، فمثلاً يقول أميل يعقوب: المثل هو عبارة موجزة بليغة شائعة الاستعمال، يتوارثها الخلف عن السلف، تمتاز بالإيجاز وصحة المعنى وسهولة اللغة وجمال جرسها. ويصف باحث آخر المثل بأنه قول موجز سائر، صائب المعنى، تشبه به حالة حادثة بحالة سالفة، وهذا أحمد تيمور (باشا) يذكر في كتابه الأمثال العامية بأنها أدب العرب، ومرآة صادقة تتجلى فيها صورة الأمم، وما عليها من أخلاق وعادات، وأن الأمة لا ترقَى إلى العمران أو تتألف لها لغة، إلا وهي تنطق "بالأمثال"، لأنها غرس الحكمة ونبت الخبرة ومقياس الأدب .

وقد تدرجت الأمثال مع الزمن لترتقي أحياناً إلى مرتبة الأعراف التي يحتكم إليها الناس في تعاملهم مع بعضهم، وفي إقامة علاقاتهم فيما بينهم، في حدود تلك الأعراف، سيما تلك التي تعبر الأمثال عن مصداقيتها، وفعل تأثيرها، ولذلك كانت الاستعانة بالأمثال دوماً إما لتوضيح فكرة، أو تقريب معنى، أو الدفاع عن رأي، أو الاستشهاد بموقف .

 سمات المثل:

تمتاز الأمثال بجملة من السمات وعلى النحو الآتي :
1- الإيجاز.
2- إصابة المعنى.
3- حُسن التشبيه.
4- الكناية والتعريض.
5- الذيوع والانتشار.
6- الثبات.
تتسم الأمثال بأهميتها التي أهلتها للعيش زمناً طويلاً، حتى شاعت وانتشرت، واهتم الناس بدراستها واستعمالها، وقس على هذا الكثير من الأمثال التي نورد منها على سبيل المثال لا الحصر:

إعطِ القوس باريها – عدو الرجل حمقه وصديقه عقله – عيّ الصمت أحسن من عيّ المنطق – أُعذر من أنذر – العقاب خيرٌ من مكتوم الحقد، عند الامتحان يكرم المرء أو يهان… إلى غير ذلك .

ولقد أكّد القرآن الكريم على أهمية الأمثال في إدراك الحقائق ، فهو يستعملها للتفكر والتدبر، في أكثر من آية، مثاله قوله تعالى:

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) سورة الروم
 
ولهذا فإن إدراك أمثلة القرآن الكريم تحتاج الى عقول متفتحة ناضجة لإدراك طبيعتها وطبيعة مدلولاتها وخصائصها المتعددة.

وكذلك اهتم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في أحاديثه الشريفة بالأمثال التي كان ينير بها إدراك الصحابة ويقرب لهم المعاني العميقة والدقيقة، يستحث عقولهم على التفكير مثل قوله صلى الله عليه وسلم :" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى" .

ولم يخلُ الشعر- قديمه وحديثه – من الكثير من الأمثال التي تعكس الحكمة في التعامل مع العالم ، ويمتلئ شعر كلّ من زهير بن أبي سلمى وأبي العتاهية وأبي الطيّب المتنبي وأبي العلاء المعري وأحمد شوقي والرصافي والسياب ، بالأمثال ونور حكمتها، وسوى ذلك كثير. وقد استشهد الماوردي في كتابه (الأمثال والحكم) بمئات الأبيات الشعرية التي ذهبت مذهب الأمثال بجمال حكمتها ، نذكر منها على سبيل المثال قول يزيد بن عمر النخعي:
الحِلم عند ذوي الألباب موعظة وبعضه لسفيه الرأي تدريب
وقول الحارث بن حلّزة :
وفي الصبر عند الضيق للمرء مخرج وفي طول تحكيم الأمور تجارب
وكذلك قول نصيح الأسدي :
ألم ترَ أن اليوم أسرع ذاهب وأن غداً للناظرين قريب

 أساليب الأمثال:

تمتاز الأمثال بما يأتي:
1- إنها عربية خالصة، نبتت في البيئة العربية فاحتفظت بصيغتها الصافية الخالصة.
2- إنها متنوعة الأداء، فمرة هي تأتي بأسلوب خبري، ومرة جملة اسمية أو فعلية، ومرة بأسلوب إنشائي فيه الاستفهام أو التعجب أو الأمر أوالنهي.
3- تمتاز بالإيجاز، عبر إيراد القليل من اللفظ في كثير من المعنى.
4- تجمع بين جمال التعبير ودقة التصوير، وللسجع جماله في المثل مثل (إن أخاك من آساك) ، و(حفظ اللسان راحة الإنسان).
5- إذا كان الجانب اللفظي من الأسلوب ينال حظاً كبيراً في الأمثال، فكذلك نرى الجانب المعنوي من المحسنات البديعية، فنجد الطباق والمقابلة لإبراز المعنى وتوضيحه وتزيين الأسلوب، وإقرار المراد في الأذهان مثل: (احرص على الموت توهب لك الحياة)، (القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود)، (يمسي على حَرّ، ويصبح على بارد)، وغير ذلك كثير .

 أهمية الأمثال:
من الممكن إجمال مواطن أهميتها بما يأتي:

1- بساطة التركيب اللغوي سهّل على المستشرقين إمكانية فهم اللهجة العامية الأمر الذي ساعد على التفاهم مع الشعب العربي سلباً وإيجاباً.
2- تعكس الأمثال مزيجاً من العادات والتقاليد والطقوس والمأثورات الشعبية، مثل الملابس والمقتنيات التي تخص بيئة محددة، إذ تشكل معيناً للباحثين في دراسات الشعوب.
3- تتضمن قيماً أخلاقية معينة عند كل شعب من الشعوب، وهذه تكتسب أهميتها في الدراسات الاجتماعية.
4- في الأمثال دلالات على الحالة النفسية التي يعيشها مجتمع من المجتمعات.
5- إنها من أكثر الطرق التي يستخدمها الشعب للتعبير عن وجهة نظره في الحياة السياسية والاقتصادية.
6- فيها أشارات على كيفية تفكير شعب من الشعوب أو كمية ثقافته.
7- تُعَد شاهداً لغوياً أو بلاغياً.

وبغض النظر عن تعريفات الثقافة، ومحاولات تميّزها عن الثقافة الشعبية، لكون الأولى هي ثقافة النخبة المكتوبة في حين أن الثانية هي ثقافة الشعب، فإننا لا نرى في هذا التمايز بين مفهوم الثقافتين مسوغاً علمياً، ذلك أن الشعوب بعامة تتميز بثقافاتها المكتوبة والشفوية، ما دامت في النهاية تُنتج بلغتها ولسانها ولهجاتها وأحاسيسها ورؤيتها للعالم.

إن الأغنيات الشعبية هي جزء من ثقافة الشعب، مثل رقصاته ودبكاته، ومثل قصصه وأشعاره، ولوحاته، وموسيقاه، كلها تعبير بطريقة ما ولسان ما عن مكنونات شعب من الشعوب وتطلعاته وأفراحه وأحزانه وتحديه وانتصاره، إنها صياغة للذات الشعبية في مستوياتها كافة. فمَن يستطيع أن يفصل بين حكايات الشعوب، وبين نقادها ومؤرخيها الذين يدرسونها ويستنبطون منها العبر؟ إلى أي ثقافة نحيل كتب الأمثال للميداني أو ضياء الدين بن الأثير والماوردي؟ أليست الشعوب هي التي قالت تلك الأمثال؟ وأليس العلماء والأدباء هم الذين درسوها وشرحوها؟ فهل هؤلاء ليسوا من الشعب؟

إن الثقافة هي دائماً شعبية بها تبني المجتمعات هويتها وتحققها، وبها تدبر حواراتها مع الحضارات الإنسانية وبها تحقق ذاتها الحضارية وتدبر علاقاتها الاجتماعية في إطار مجتمعاتها، فالثقافة تعد أحد المتغيرات المهمة في ترتيب البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

وتعد الأمثال أحد المكونات الثقافية للأمم، وهي تملك القدرة على الحضور الزماني بحكم خصائصها آنفة الذكر، فهي "تتحرك في زمن مفتوح، غير محدّد، ولا يعني ذلك أنها لم تعُد تؤثر في الحاضر والمستقبل، بل على العكس، ربما لكونها جزءاً من الماضي فهي تمارس سحراً، وتأثيراً خطيرين على الذهنيات والسلوكات (الفردية والاجتماعية)، من منطلق أنها تمثل حكمة الأجداد .

إن خطاب الأمثال يعبر عن طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والأخلاقية، إنه خطاب يختصر الحياة وحكمتها وعناصرها المتعددة، إنه الوجود اللغوي الذي يختزل الوجود المادي والذهني للإنسان والمجتمع.

تمارس الأمثال دورها التأثيري في الثقافة الشعبية، من خلال إعادة إنتاج قيمتها ورؤاها في إطار حركة الزمان لتكرسها في الحاضر الذي سينقلها إلى المستقبل، فالأمثال التي قيلت في المرأة قبل قرون ما زالت تمارس تأثيرها وتحدد رؤيتها للمرأة وترسم صورتها في مراحل حياتيه متعددة.

إن الحفاظ على الثقافة الشعبية وتطويرها وتعميقها وإدراجها في عملية التغيير والبناء تفرض على المثقفين العرب إدراك الحراك الثقافي الوطني والقومي والعالمي من دون ردات فعل تقوده إلى قرارات آنية ضيقة، أو تفريط في الثقافة الوطنية بحجة التحديث والحداثة.

إن إدراك آليات الثقافة المعاصرة ومناهجها في البناء والتغيير يقود إلى دفع ثقافاتنا الشعبية إلى الإسهام الخلاق في التفاعل مع ثقافات العالم، وتزويدها برؤى جديدة تعمّق أواصر التعاون بين الأمم والاستفادة من تجاربها الخلاقة.

كما إن إدراك المثقفين العميق لموقع الثقافة الشعبية في المشروع الحضاري العربي الإسلامي، يعزز من مكانتها في التأثير والتأثر، ذلك أن المشاريع الحضارية الكبرى تقوم على ركنين أساسيين: الركن الأول هو الرؤية الوطنية التي تعتني بإدارة شؤون الأمة، والركن الثاني هو الرؤية الكونية التي تعتني بتقديم حلول للمشاكل التي تعيشها المجتمعات الإنسانية قاطبة.

وفي كلتا الرؤيتين، فإن للثقافة الشعبية من خلال منظومة الأمثال القدرة على التأثير في البنية المعرفية والاجتماعية من خلال تكبير مساحات الضوء التي تضم القيم الراقية في تلك الأمثال.

إن الدراسات المقارنة بين الثقافة الشعبية العربية وثقافات العالم الأخرى، تعد مرحلة متقدمة جداً في إحداث حوار مثمر بين الشعوب، تكرّس من خلاله مضامين ثقافاتنا الشعبية، وتعبر عن قدرة مثقفينا على استيعاب ثقافته الآخر.

وكذلك تعد الرؤية النقدية للمثقف، أحد مقومات القوة المعرفية التي تعيد ترتيب ضروريات الثقافة وسمو المنظومات القيمية والمعرفية والأخلاقية والعقلية، فضلاً عن تنظيم طاقاتها في استيعاب معطيات العصر المعرفية.

وكذلك فإن إدراك منطق الثقافة الشعبية الذي هو المنظّم الرئيس لعناصر النسق الثقافي العربي (اللغة، الأخلاق، الخيال، العلاقات الاجتماعية)، يعين على تفعيل دور الثقافة الشعبية، ويدفع بالأمثال بوصفها أحد عناصر النسق الثقافي العربي إلى التأثير في العقل الاجتماعي وتجلياته المتعددة، ويسهم من ثم في النهضة المنشودة، أو الانبعاث على رأي عبد الله العروي ، إذ أن بين الثقافة الشعبية والأمثال تكاملاً وتخصصاً، فبينما تُعد الثقافة الشعبية فضاءً يضم النشاطات المعرفية والجمالية واللغوية والحركية، بشكل متكامل، يقف كل عنصر من عناصرها في بنية معرفية مستقلة متخصصة كالأمثال والرقص، الأمر الذي يوفر للثقافة الشعبية عمقاً حضارياً.

إن وعي جدل العلاقة بين الثقافة الشعبية والأمثال يسهم في توليد وعي جديد مفارق للمألوف منتمٍ للوطن وثقافته، وعي متحرك في تضاريس الواقع يقتلع الأحراش ويحرر طاقات الروح والفكر والثقافة.

 طبيعة الأمثال ومضامينها:

تتكون البنية الاجتماعية من جملة من العلاقات والمؤسسات المتعلقة بالأسرة والعلاقات فيما بينها والقيم التي تحكمها والرؤى الفكرية التي تحدد رؤيتها للمجتمع والإنسان والقيم. وهذه البنية الاجتماعية تحكمها أفكار وقيم تحدد في ضوئها ثقافتها التي تعكس فعالياتها الحياتية المتعددة في الموقف من الأبناء والبنات والأمومة، وحالات الحزن والفرح، والأمل والألم، والموت والحياة، والمناسبات والمواقف الأخلاقية والضيافة وآدابها، وطبيعة العلاقة بين الأغنياء والفقراء، والبر والإحسان، والتحية والسلام، والتدخل في شؤون الآخرين والتسامح والتعاون، والثأر والجديد والقديم، والجمال والجوار، والجهل والحب، والحرية والحروب، والحزم والحسد، والحق والعدل والحكمة، والخجل والخوف، والرزق والرحمة، والوقت والزهد، والصبر والصدقات، والعبادات، والظلم والظمأ، والقدر والغربة والغرور والغيرة، والقضاء والقدر، والمساواة والمشاركة، والمعروف والنفاق والنميمة والوعود.

إن هذه المنظومة القيمية الاجتماعية كانت في جوانبها نتاج التأثر بالأمثال التي كرست حالة اجتماعية معينة، وظلت تتواصل عبر الأجيال لتشكل جزءاً مهماً من المنظومة الثقافية للمجتمعات عبر اعتماد أداة قياس وتفسير في التعامل مع الظواهر الاجتماعية المختلفة.

لقد صاغت الأمثال جانباً مهماً من النظرة الاجتماعية للأولاد والذرية على سبيل المثال، فالمجتمعات الزراعية التي تحكمها ثقافة الرجال وقراراتهم، ترى في أبناء الابن قيمة أعلى من أبناء البنت وأكثر قرباً بالعائلة من أبناء البنت، لقد أنتجت هذه الثقافة أمثالاً تعبر عن هذا الموقف:
– ابن أبنك لك وأبن بنتك لأ.
– أعز الولد ولد الولد.
وللأبناء المكانة العليا في المجتمع، بحسب هذه النظرة، في حين ليس البنات كذلك، ولهذا ظهرت الأمثال لتعبر عن هذه النظرة:
– الولد بالمدح والبنت بالردح.
– الولد فرحة ولو قد حبة القمحة.
– البنت إذا كبرت يلجبر يلقبر.
– البنت الحلوة نص مصيبة.
– البنت يا تسترها يا تقبرها.
– عقربتين في الحيط ولابنتين في بيت.
– هَمّ البنات للممات.
ولكن هذا لم يمنع من تأكيد قيمة المرأة في المجتمع، فقد كرّست الأمثال هذا الموقف :
– اللي عند أمه بالبيت خبزته مدهونة بزيت.
– البنت الحرة مثل الذهب بالجرة.
– بنت مليحة ولا صبي فضيحة.
– بعد الأم أحفر وطم .
ولأهمية الأخلاق والمواقف الأخلاقية في المجتمع، عبّرت الأمثال عنها بأشكال متعددة فقالوا:
– أدّب ولدك لو زعلت أمه.
– اعدل العوجة ولو في يوم فرحها.
– إللي تسمع كلام أبوها كل الناس يحبوها.
– أمشي عدل توصل بدري.
– في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.

وأثّرت الأمثال في العلاقات الاجتماعية في حقل الضيافة، فأنقسم الضيوف على أقسام: ضيف محبوب وضيف مشؤوم، وضيف خفيف وآخر ثقيل، فصاغت الأمثال هذه التصنيفات في حكمتها المعروفة ليتثقف بها الناس، وينتبه مَنْ كان ذا عقل رشيد، وعلى بيّنة من الأمر:
– ضيف المودة ما بيروح حتى يبري اللحاف والمخدة.
– يا بخت من زار وخفف.
– الضيف المشؤوم بعد الأكل بيقوم.

إنّ الثقافة الشعبية هي ثقافة المجتمع التي ينتجها أبناؤه في السيرورة التاريخية، فالأمثال بوصفها أحد عناصر هذه الثقافة التي أنتجها العرب قبل الإسلام، تمثل جزءاً من المنظومة الثقافية للشعب العربي يومذاك، والأمثال التي جاءتنا شفاهياً عبر تناقل الأجيال هي جزء من المنظومة الثقافية للشعب العربي، وفي كلتا المنظومتين مارست الأمثال تأثيراً في التكوين الثقافي وتأثرت به، فهي على خلاف ما طرحه (ليفي برول)، من أن الثقافة الشعبية هي نتاج العقلية غير المنطقية، ومن ثم فهي تعبير عن مرحلة ما قبل المنطق عند شرائح اجتماعية متخلفة .

إن اهتمام الناس بالأمثال حقيقة حضارية تشمل الأمم كافة، فلا شك أن للأمثال أثراً كبيراً في حياة الناس على اختلاف ثقافاتهم ومعارفهم. ومن ثم فإننا نجدهم يحتفون بها احتفاءً كبيراً، في مجال الكتابة والحديث، وهم يعلقونها مكتوبة بأجمل الخطوط في بيوتهم ومحلاتهم التجارية، تجذب الانتباه وتبعث على الارتياح، فهي الباعثة على العمل، ومقومة للسلوك الإنساني، وعلامات مضيئة للاهتداء بها في معترك الحياة، بما تتضمنه من توجيه أو تنبيه، إنها حياة الشعوب الخالدة وعلامة من علامات تميزها ونبع من ينابيع كرامتها.

فهي من فنون القول التي تعبر عن عقل الأمة وفكرها وثقافتها، وفي دراستها مجال خصب لمعرفة العصر الذي قيلت فيه، ندرس من خلالها أحوال المجتمع من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ونضع أيدينا على القيم والمثل العليا التي كانت سائدة في عصرنا.

ودراسة الأمثال العربية بالذات خير معين على فهم الثقافة العربية الإسلامية، وعلى تفهم البيئة العربية وتطور فكرها ومعرفة نفسية الشعب، لأن المثل بحق صوت الشعب وعقله وفكره.

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

إرحموا الكتاب

   أد . سوسن الأبطح ليس عيباً أن يتفنن الناشرون في تسويق نتاجاتهم، وأن يجعلوا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *