الرئيسية / إشارات ملونة / قصتي مع السماء وأجرامها (الجزء الأول )

قصتي مع السماء وأجرامها (الجزء الأول )

 

أذ. إبراهيم مشارة- الجزائر 

 

شغفت بالسماء منذ كنت صغیرا، ومازالت ذاكرتي تحتفظ بتلك الصورة المحببة إلى نفسي، صورة فتى صغیر یقلب النظر في أجرام السماء في  لیلة صافیة الأدیم غاب فیھا القمر أولم یشرق بعد،كان قلبي یدق على إیقاع  جریان الكواكب في أفلاكھا والنجوم في حركتھا الظاھریة، وكان المنظر  

یزداد بھاء خاصة وأنا أرقب السماء قرب بیتنا في بلدتي زمورة ذات الموقع الجبلي وكان طابعھا الریفي یضفي على المنظر مسحة رومانسیة  أخاذة یختلط فیھا حفیف الشجر خاصة شجر السرو والصنوبر بصیاح  الدیكة وبعبق الفجر المندى، وكانت السماء تبدو قریبة مني وأني أوشك أن  ألمسھا، ویسرف بي الخیال ممعنا في الإبحار فأخال السماء لجة طفت على  

صفحتھا بقع نورانیة – ھي النجوم والكواكب – وأزعم لنفسي أني أتدلى نحو قرار تلك اللجة، وأما القمر ذاتھ إن أشرق یسري الھوینى كنت أحسبھ  راعي ذلك القطیع الضخم من النجوم یرعاھا بصبر وأناة وھي تمرح أمام  عینیه على سطح تلك اللجة المدلھمة وتحضرني الأشعار-أشعار الجاھلیین  والإسلامیین – حول تلك القبة وبھجتھا وأشد الأبیات تأثیرا في نفسي قول  

النابغة:

كلیني لھم یا أمیــــــــمة ناصـب

ولیــــــــل أقاسیھ بطئ الكواكـب

تـطاول حتى قلت لیس بمنــقض

 ولـیس الذي یرعى النجـوم بآیـب

ویختلط في نفسي شعور حب اللیل –لأنھ الوقت الذي أخلو فیھ إلى درري من فرائد السماء – بشعور الخوف منھ لأن فیھ وحشة والناس نیام وأنا وحدي أسامر القمر وھو یرعى النجوم، كما كان ظلامھ الدامس إن غاب القمر مرعبا لأنھ یذكرني بظلام اللحد وكنت أحس ببیت النابغة إحساسا  حین یقول للملك النعمان بن المنذر : 

فإنك كاللیل الذي ھو مـــــدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

وأما قصیدة المعري "عللاني" فكنت أتلوھا على مسمعي بصوت متأني وأنا أستعذب ألفاظھا وأستمتع بجمال صورھا ، وأحار في ھذا الشاعر  الضریر أنى لھ ھذه الدقة في استقصاء النجوم ومواقعھا ؟خاصة التشبیه  في البیت الثاني وھو تشبیھ مزدوج (اللون والحركة): 

وكـــــأن الھلال یھـــوى الثریا

 فھـــما للـــــوداع معتـنقــــــان

وسھیل كوجنة الحب في اللــو

 ن وقلب المحب في الخفقـــان

 ضرجتھ دمـا سیـوف الأعـادي

 فبكت رحمة لـھ الـشـعریــــان

 ونضا الفجر على نسره الــــوا

 قـــع سیفا فھــــــــــم بالطـیـران

وازداد تعلقي بالسماء ونجومھا ، وقرأت كثیرا عن أساطیر الإغریق حولھا كأندرومیدا، وھرقل والجوزاء والعقرب والجبار أوالصیاد والملتھب  وأساطیر العرب كأسطورة الشعریین تلك الأسطورة التي تزعم أن  الشعرى الیمانیة Sirius وھي من ألمع نجوم السماء في الشتاء وقد ذكرھا  القرآن الكریم في سورة النجم في قولھ تعالى :" وأنھ ھو رب الشعرى"فتزعم الأسطورة أن ھذا النجم قد عبر نھر المجرة، وھو المعروف بالطریق اللبني أو درب التبان مع الحبیب نجم سھیل Canopus ولھذا  تسمى بالشعرى العبور، ولم تستطع أختھا الشعرى الشامیة Procyon 

اللحاق بھا فبكت حتى تقرحت عیناھا من فرط البكاء وبقیت على طرف المجرة ولھذا تسمى بالغمیصاء أي متقرحة العینین من البكاء فالشعرى  العبور مالت نحو الجنوب من السماء أي جھة الیمن فھي الیمانیة  والغمیصاء مالت نحو الشمال أي جھة الشام فھي الشامیة. 

وأما نجم سھیل Canopus أحد عمالقة النجوم الحمراء في السماء الجنوبیة والذي یبعد عنا حوالي أربعمئة سنة ضوئیة ویستفاد من موقعھ باتخاذه  نقطة مرجعیة في توجیھ السفن الفضائیة في رحلاتھا بین الكواكب إضافة  إلى الشمس ، كنت أذكره كلما نظرت إلى الثریا Pléides تلك النجوم  المجتمعة قرب برج الثور في السماء الشمالیة وأتذكر قول الشاعر الأموي  عمرو بن أبي ربیعة عن حبیبتھ الثریا بنت علي بن عبد الله لما خطبت  إلى سھیل بن عبد الرحمن وتزوجھا: 

 أیھا المنكح الثریا سھیلا

 عمرك الله كیف یلتقیان؟!

 ھي شامیة إذا مااستقلت

 وسھیل إذا مااستقل یمان

وذلك على سبیل التوریة فالمعنى القریب للثریا تلك النجوم والمعنى المقصود ھو الحبیبة وكذلك سھیل إذ یتبادر إلى الذھن نجم سھیل غیر أن  المقصود سھیل بن عبد الرحمن بن عوف العریس . وھي فلتة من فلتات  العبقریة الشعریة فقد زعم الشاعر أن الاجتماع والتآلف بین العریسین لنیتم لاختلاف موطنیھما تماما كاستحالة الاجتماع بین نجم سھیل وكوكبھ

الثریا! 

كانت تلك نظرة إنسانیة رومانسیة حالمة لازمتني في طفولتي ولازالت لأني أحب الاندغام في الكون حتى أحسب أن قلبي مركزه وأن حفیف الشجر وھبات النسیم وتلألأ النجوم ما ھي إلا أصداء لنبض قلبي، ثم قررت بدافع من فضولي أن أدرس علم الفلك وأعرف حقائق السماء وأجرامھا معرفة علمیة دقیقة أجمع بینھا وبین النظرة الشعریة في تآلف ومودة، وھكذا أحضرت كتب الفلك وأنفقت اللیالي في دراستھا ولازلت 

أذكر ذلك القلق الذي كان ینتابني حین یستعصي علي ویستغلق على فھمي موضوع دقیق من مواضیع ھذا العلم وأحاول الكرة وأخیب ثم أحاول كرة أخرى حتى أوفق وتنفتح مغالیقھ، ولقد بدأت في الدراسة لوحدي وكان ذلك دأبي بعصامیة مستبسلة فقرأت الكتب المبسطة وتدرجت في الدراسة حتى الكتب المتخصصة ولم أستثن معارف القدماء كبطلیموس والبتاني 

والبیروني وعبد الرحمن الصوفي وغیرھم، وقدرت أن معرفتي ستبقى شوھاء إذا لم أقرأ في تاریخ ھذا العلم منذ البابلیین وحتى فلكي العصر الحاضر، فالتھمت ماوقع في یدي من كتب في تاریخھ لأعلامھ كجورج سارتون ، وكارلو نیللنو، وغوستاف لوبون والقفطي وطوقان وغیرھم.

وھكذا اجتمع لي قدر مھم من تاریخ الفلك منذ البابلیین والكلدانیین وحكایة البروج إلى طالیس وبطلیموس إلى البیروني والصوفي والبوزجاني وابن الشاطر إلى كوبرنیكوس وكبلر وبراھى وجالیلیو ونیوتن ثم إلى أینشتین ونظریة النسبیة العامة ثم فیزیاء الكم وتطبیقاتھا الفلكیة عند فرمي وستیفن   وینبرغ وستیفن ھوكینغ وصولا إلى باتریك مور عالم الفلك المعاصر 

مؤلف كتاب " غینس في علم الفلك".

لقد صار ھذا العلم ھوایتي المفضلة قراءة ورصدا للسماء وأجرامھا  وظواھرھا، وأما البھجة التي كانت تغمرني حین أفھم موضوعا ما فھي لا  تقدر بثمن، كأني ملكت الدنیا، وكم طردت النعاس الذي ھجم علي لیدفعني  إلى الفراش واستبسلت في دفعھ بغسل الوجھ بالماء البارد وشرب المنبھات  حتى إذا لاح الصباح لم تستطع قدماي أن تحملني، ولازلت أذكر وأنا  

طالب بالمرحلة الثانویة كیف كنت أغشى المكتبات بحثا عن كتب جدیدة  فإن وقع بصري على مؤلف جدید بعت ملابسي لتوفیر ثمنھ، وأذكر مرة  أني مررت بمكتبة عرض في واجھتھا كتاب عنوانھ " المنھج الإیماني  للدراسات الكونیة في القرآن الكریم" ومن العنوان عرفت أن المؤلف  سیتناول حقائق الفلك مقارنا إیاھا بالآیات الكونیة في القرآن وقلت لا بأس  ربما أجد في الكتاب أشیاء مھمة یجدر بي معرفتھا وزاد من شوقي ولھفتي  على الكتاب غلافھ المتضمن سدیم رأس الحصان وھو سدیم مشھور لازال  یتصدر أغلفة الأطالس والمجلات الفلكیة والكتب، وأسقط في یدي ولم  أعرف كیف أوفر ثمن الكتاب وكان حوالي مئة دینار وھو مبلغ مھم بل  ھو مصروف شھر وأھلي سیمانعون في شرائھ لغلائھ، وأذكر أنني ذھبت  إلى جدي لأمي ورجوتھ بل توسلت إلیھ بما یضمره لي من محبة وحدب  أن یقرضني المبلغ لأنتفع بالكتاب ثم أسدده ولو على أقساط ، وكان جدي  متقاعدا یعیش على منحة التقاعد وكانت لا تسد الحاجة ولا تدفع  الخصاصة وقبل جدي ، وأسرعت في طلب الكتاب ومن شوقي إلیه      وفرحتي بھ فتحتھ في الطریق متصفحا، وقد انتفعت بھ في معرفة دوریة 

الكسوف والخسوف وكیفیة التنبؤ بھما وھو حدث جلل بالنسبة لفتى مثلي!

وتاقت نفسي إلى رؤیة أجرام السماء بالمنظار واحتلت في الحصول علیهغیر أن ذلك كان دونھ خرط القتاد، وكنت أعتقد أن جدي لأبي المقیم  بباریس لا یحرمني منه إن طلبته غیر أن إرسالھ في علبة بریدیة ستنتھي  به محجوزا لدى مصالح الجمارك لأن ذلك ممنوع، ثم أن جدي لا یزور  البلد إطلاقا منذ أكثر من عشرین عاما وھكذا تخلیت عن ھذه الفكرة، حتى  

تعرفت إلى صدیق من طلاب الثانویة واشتدت عرى الصداقة والزمالة  بیننا وأخبرني في یوم من الأیام أنھ یملك منظارا مقربا لیس مخصصا  للرصد السماوي، ولكنھ یریك أشیاء لا ترى بالعین المجردة كالنجوم  المزدوجة وفوھات القمر الكبیرة، وطلبت منھ المنظار على سبیل الإعارة،  وأخذته منه وكان ثقیلا وأنفقت لیال عدیدة أرصد أجرام السماء حتى مللت  

وتعبت قدماي من المشي وعیناي من النظر، واقترح علي خالي وكان  یكبرني بخمس سنوات تغییر أبعاد العدسات لیكون المنظار قویا وبعد  الفراغ من الرصد تعاد العدسات إلى سابق وضعھا غیر أن خالي كسر  المنظار، ووجدتني في حرج من صدیقي وتمنعت وتعللت ثم كشفت له  الحقیقة، وأبدیت لھ استعدادي تعویض ثمنھ، وكان حوالي أربعمئة دینار  وھو مبلغ كبیر إنھ مصروف نصف سنوي بالنسبة لطالب مثلي واتفقنا أن  یكون الدفع على أقساط ، وأقسم صدیقي أنھ لو كان ملكھ لما طالب بثمنه . 

وسواء أكذب الصدیق أم صدق فھو صاحب فضل ومن الواجب تعویضه مع الشكر، ومرة أخرى بعت ملابسي الفرنسیة الصنع والتي كان جدي  یتكرم بإرسالھا من باریس من حین لآخر لتسدید الدین.          

عن ZAHRATACHARK

شاهد أيضاً

محطة القطار

أذ. ندى الحجازي-المغرب   هل جربت أن تكون تائها في محطة القطار؟ أن تجهل وجهتك، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *